الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلس .و .جالأعضاءالمجموعاتدخولمكتبة الصوراليومية

شاطر | 
 

 محاكم التفتيش ...!

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: محاكم التفتيش ...!   2008-02-13, 11:05 am

محاكم التحقيق (محاكم التفتيش)
بين
الأسطورة والواقع



أثارت "محاكم التحقيق"، المعروفة بالعربية باسم "محاكم
التفتيش" جدلاً كبيراً وواسعاً في مختلف الأوساط الأوروبية. أما هنا في شرقنا
العزيز، فكلّما تحدّثنا عن سماحة الديانة المسيحيّة وسموّ تعاليمها، تجابهنا موجات
انتقاد عنيفة وشرسة تتناول قضيتين تجعل منهما محوراً لموجات الانتقاد الموجهة
للديانة المسيحية عموماً والكنيسة الكاثوليكية تحديداً، هاتان القضيتان هما: الحروب
الصليبية ومحاكم التحقيق. سأفرد في وقت لاحق مقالاً لمعالجة الحروب الصليبية، أما
في هذا المقال فسأكتفي بمعالجة قضية "محاكم التحقيق" وتقديم صورة أقرب ما تكون
للواقع عنها بحسب الدراسات الحديثة التي قام بأغلبها أكاديميون غير
كاثوليك.

أما اختياري لاسم "محاكم التحقيق" عوضاً عن الاسم التقليدي "محاكم
التفتيش"، فالسبب يعود إلى أنّ الأصل في التسمية هو "Inquisition"، من كلمة
"Inquiry" والتي تعني : تحقيق واستفسار وبحث. إذن، "لجان التحقيق" هي أقرب للمعنى
الحقيقي منها "لجان التفتيش" لأن هدف هذه اللجان كان التحقيق مع المسيحيين المتهمين
بالهرطقة لاستبيان حقيقة موقفهم من الديانة المسيحية وخلو هذه المواقف من تعاليم
هرطقة وبدع مخالفة للتعليم القويم. لذلك ينبغي لنا أن نوضّح حقيقة يجهلها الكثيرون
وهي أنّه بما أن الحديث يدور عن "هرطقة"، فالمقصود إذن مسيحيين خارجين عن العقيدة
الصحيحة وعليه فالمسيحيون فقط هم موضوع لجان التحقيق، أما المسلمون أو اليهود فلا
سلطة للجان التحقيق عليهم لأنهم لا يدينون بالمسيحية.

عندما نتحدث عن "محاكم
تحقيق"، أول ما يتبادر لذهن القارئ هو "محاكم التفتيش الإسبانية" وسمعتها القبيحة.
لكن في الواقع، هناك "لجان تحقيق" سبقت تلك التي أنشئت في إسبانيا وذلك بنحو ثلاثة
قرون. وأنا أرى من الضروري الحديث عن تلك أولا حتى نفهم كيف نشأت اللجان في إسبانيا
والفارق بينهما.

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: محاكم التفتيش ...!   2008-02-13, 11:05 am

قضية البدع والهرطقات

المبدأ الذي تقوم عليه
مسألة مقاومة البدع والهرطقات هو مبدأ قويم وصحيح، فالكاثوليك عليهم واجب حماية
وديعة الإيمان القويم وحفظه الفساد ومقاومة كلّ اعوجاج. هذا ما جاء على لسان السيّد
المسيح حين قال: «إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض،فاذهَبوا
وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس،
وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ
إِلى نِهايةِ العالَم» (متى 28: 18-20)؛ وأيضاً: «وبَعدَ أَن فَطَروا قالَ يسوعُ
لِسمْعانَ بُطرُس: يا سِمْعانُ بنَ يونا، أَتُحِبُّني أَكثَرَ مِمَّا يُحِبُّني
هؤلاء؟ قالَ لَه: نَعم يا رَبّ، أَنتَ تَعلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُباًّ شَديداً .
قالَ لَه: إِرْعَ خُرافي» (يوحنا 21: 15). وأيضا ورد في رسالة يهوذا: «أيُّها
الأَحِبَّاء، كُنتُ شَديدَ الرَّغبةِ في أَن أَكتُبَ إِلَيكم في مَوضوعِ خَلاصِنا
المُشتَرَك. فلم يَكُنْ لي بُدٌّ مِن ذلك لِكَي أَحُضَّكم على الجِهادِ في سَبيلِ
الإِيمانِ الَّذي سُلِّمَ إِلى القِدِّيسينَ تامّاً، لأَنَّه قد تَسلَّلَ إلَيكم
أُناسٌ كُتِبَ لَهم هذا العِقابُ مُنذُ القِدَم، كُفَّارٌ يَجعَلونَ نِعمَةَ
إِلهِنا فُجورًا ويُنكِرونَ سَيدِّنا ورَبَّنا الوَحيدَ يسوعَ المسيح» (يهوذا 1:
3-4).

حوالي العام 1000 للميلاد، نشطت في أوروبا بدع مختلفة، كانت أخطرها
هرطقة "الأطهار" (الكتارية Catharism : لفظة يونانية تعني "النقي/الطاهر". اعتقد
"الأطهار" أن العالم المرئي خلقه إله شرير، بينما العالم الروحي خلقه إله صالح.
واعتقدوا أن الخلاص يتم عن طريق تطهير النفس التي لا تموت من شرور الخليقة الجسدية)
التي شكلت تهديداً لا لكيان الكنيسة وحسب بل وللدولة أيضا. فالديانة في القرون
الوسطى لم تكن كاليوم، عبادة يمارسها المؤمن في الكنيسة، بل كانت الديانة هي العلوم
وهي الفلسفة وهي السياسة وهي الهوية وهي الرجاء بالخلاص. لم تكن الديانة خياراً
شخصياً، بل حقيقة شاملة ملزمة. لذلك، فإن الهرطقة تهاجم عمق هذه الحقيقة وتهدد نسيج
المجتمع. القانون الروماني السائد حينئذ كان يعتبر الهرطقة خيانة، والسبب أنّ
المَلَكِيّة هي هبة من الله وعليه فالهرطقة التي تتعرض لدين الله هي بمثابة تهديد
لسلطة الملك. كان الهراطقة يتسببون بانفصال الشعب وقيام الثورة، ولم يكن ثمة مسيحي
يشك في أن الله سيعاقب الجماعة التي تسمح للهرطقة بالنمو فيها. فالملوك والعامة على
حد سواء اعتبروا من واجبهم البحث عن الهرطقة والقضاء عليها أينما وجدوها. وهذا ما
عبر عنه على سبيل المثال الملك بطرس، ملك أراغون في إسبانيا حين قال:
«أعداء
صليب المسيح وخارقي قانون الكنيسة هم أيضاً أعداؤنا وأعداء مملكتنا، ويجب التعامل
معهم بهذه الصفة».

كان أصحاب "الأطهار" يهددون نسيج المجتمع بسبب أعمال
العنف والجرائم والقتل التي ارتكبوها أينما كثرت أعدادهم. في جنوب فرنسا تطلب الأمر
جيش ملك فرنسا كامل العتاد ليتمكن من التغلب عليهم.

لم تكن الاستجابة لخطر
"بدعة الأطهار" في البداية منظمة أو منهجية ولذلك سرعان ما انتشرت من شرق أوروبا
إلى جنوب ألمانيا وفرنسا وشمال إيطاليا. كان السبب الرئيسي لاتساع رقعتها عدم
محافظة رجال الإكليروس على فضيلة الفقر وسعيهم وراء الثروة والرخاء. قام البابا
"لوشيوس الثالث" عام 1184 بإرسال لائحة بالهرطقات إلى أساقفة أوروبا وأمرهم باتخاذ
الإجراءات الكفيلة لتبيان إن كان المتهمون بالهرطقة هم فعلاً كذلك أم لا. وبدلاً من
الاعتماد على الحاكم أو المحاكم المدنية أو اللوردات العلمانيين، توجب على الأساقفة
تعيين رجال دين علماء ومثقفين لفحص المتهمين باعتماد قوانين الأدلة الرومانية. أي
بالتحقيق "inquire" ومن ثم اللفظة "inquisition" "لجان تحقيق". لكن هذه الطريقة لم
تكن فعالة بما فيه الكفاية ولا الإجراء الذي اتخذه مجمع طولوز عام 1229، عندما طالب
جميع أبناء "لونجيدوك/Languedoc"، حيث نشطت بدعة "الأطهار" بوجه خاص، بإعلان القسم
أنهم لا ينتمون إلى هذه البدعة، وتجديد قسمهم كل سنتين. وطالبهم أيضاً بالكشف عن
هوية الهراطقة. لكن الكردينال فرانجيباني الذي استمع لشهادة هرطوق سابق اسمه "وليم
دي سولييه"، أعلن أن كشف هوية المخبرين سيعرض حياتهم للخطر. من هنا تطورت فكرة
"محاكم التحقيق" التي أسسها البابا غريغوريوس التاسع عام 1233.

اعتبرت
السلطات المدنية الهرطقة خيانة لله وللملك وبالتالي كان الهراطقة يستحقون الموت.
أما في نظر الكنيسة، فالهراطقة هم عبارة عن "خراف ضالة" حادَتْ عن طريق الصواب.
وبصفتهم رعاة، فإن واجب البابا والأساقفة هو محاولة إعادة الخراف الضالة إلى
الحظيرة الواحدة كما أمرهم بذلك "الراعي الصالح". وبذلك، بينما كان القادة المدنيين
يحاولون حماية المملكة، كان همّ الكنيسة هو "إنقاذ النفوس". إذن، وفَّرت "لجان
التحقيق" الفرصة للهراطقة للهرب من الإعدام والعودة إلى حضن الجماعة أو "الحظيرة
الواحدة".

معظم الذين اتُّهموا بالهرطقة في العصور الوسطى تمَّ استعادتهم
إلى حظيرة الإيمان أو تم وقف تنفيذ العقوبة. الذين ثبتت عليهم التهمة فقد سُمِح لهم
بالتوبة عن خطيئتهم والقيام بأعمال التكفير ومن ثم العودة إلى حضن الكنيسة. أما
الذين قرَّر المحقق بشأنهم أنهم خطر على المجتمع، ولم يعد بالإمكان فعل شيء بشأنهم،
فكان يتم حرمانهم وتسليمهم إلى السلطات المدنية. والجدير بالذكر أنه رغم الاعتقاد
السائد فإن الكنيسة لم تقم هي بحرق الهراطقة. السلطات المدنية هي التي اعتبرت أن
الهرطقة تستوجب الإعدام. والواقع أنَّ "لجان التحقيق" ساهمت في إنقاذ حياة الآلاف
من الأبرياء (وحتى بعض غير الأبرياء) الذين لولاها كانوا سيصطلون بنار اللوردات
المدنيين والحكام.

في القرن الثالث عشر نشطت رهبانيتان في مجال "لجان
التحقيق" هما الفرنسيسكانية والدومنيكانية خاصة لأنهما نذرتا الفقر وحافظتا عليه .
ولكن بما أن رهبانية الدومنيكان أنشئت خصيصاً لجدال الهراطقة والتبشير بالديانة
المسيحية فقد تسلّمت مهمة إدارة "لجان التحقيق" وأنشأت المحاكم التي تقدم تقاريرها
إلى روما مباشرة لا إلى الأساقفة المحليين. وتم وضع كتب إرشاد مختصة بمكاتب
التحقيق.

مع حلول القرن الرابع عشر، باتت "لجان التحقيق" من أكثر الإجراءات
القانونية التزاماً وتنظيماً. كان المحققون متخصصون في القانون واللاهوت. كان
الحكام في القرون الوسطى يناصرون لجان التحقيق ويدعمونها لأنهم رأوا فيها الوسيلة
الفعالة للحفاظ على سلامة الدين في ممالكهم. وإن شكى بعضهم، فقد اشتكوا من أن "لجان
التحقيق" تتعامل برفق زائد عن اللزوم مع الهراطقة. ويذكر أنَّ العديد من المجرمين
العاديين كانوا يدّعون الهرطقة حتى تتم محاكمتهم لدى محاكم التحقيق الكنسيّة بدلاً
من محاكم الدولة القاسية. وفي وقت لاحق، أخذت بعض الممالك تتسلّم زمام الأمور
بنفسها. ففي فرنسا مثلاً، سيطر الموظفون الحكوميون مع متخصصي قانون مدنيين على زمام
الأمور في لجان التحقيق. وكان عذر الملك أنهم أعلم بأحوال فرنسا والهرطقات فيها من
البابا الحاكم بعيداً في روما.

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: محاكم التفتيش ...!   2008-02-13, 11:06 am

القضية الإسبانية

إسبانيا تختلف عن بقية دول
أوروبا في عدة نواحي. فبعد أن احتل المسلمون جزيرة إيبريا في القرن الثامن، باتت
المعارك مستمرة في الأراضي الإسبانية. هذا التنافر المستمر ووجود أتباع ثلاثة أديان
على الأراضي الإسبانية هي اليهودية والمسيحية والإسلام، أدى في الواقع إلى إيجاد
نوع من التعايش المشترك، حتى باتت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين واليهود في
إسبانيا مثالاً يحتذى به للتعايش "Convivencia". إنجلترا مثلاً، طردت اليهود من
أراضيها عام 1290 وفرنسا عام 1306.

لكن أمواج العنصرية التي اجتاحت أوروبا
كانت ستصل حتماً إلى إسبانيا. فالحسد والجشع والسذاجة أدت إلى تأزم العلاقة بين
المسيحيين واليهود في القرن الرابع عشر. خلال صيف 1391، اجتاحت عصابات المدن
الأحياء اليهودية في برشلونا ومدن أخرى فجمعوا اليهود وخيروهم بين المعمودية
والموت. اختارت الأغلبية المعمودية. لكن ملك مقاطعة أراجون، الذي حاول وسعه لكف
الاعتداءات عن اليهود، ذكّر رعيته أنّ تعاليم الكنيسة واضحة بشأن المعمودية
القسرية: فهي لا تُحسَب. وأعلن أن كلّ يهودي قبل المعمودية لتجنب الموت يمكنه أن
يرجع إلى ديانته.

معظم اليهود المعمّدين أبوا ذلك. من ناحية، شعروا أنهم
خانوا ديانتهم ولم يعد بإمكانهم أن يكونوا يهوداً. آخرين فضلوا البقاء مسيحيين
لتجنب اضطهادات أخرى من شأنها أن تقوم في المستقبل. آخرين غيرهم رأوا في المعمودية
طريقة لتجنب الضرائب الإضافية والقيود التي فرضت على اليهود. ومع مرور الزمن، اطمأن
اليهود لدينهم الجديد وباتوا يمارسونه بتقوى تماثل بقية الكاثوليك. فباتوا يعمدون
أطفالهم صغاراً ويعلمونهم التعاليم المسيحية. لكن أغلب المعمدين اليهود حافظوا على
تقاليدهم السابقة، فتحدثوا كاليهود وارتدوا الملابس كاليهود وتناولوا طعامهم
كاليهود. واستمر الكثير منهم في العيش في أحياء يهودية ليبقوا قريبين من أبناء
عائلتهم. أدى هذا التعايش إلى تنصر اليهودية الإسبانية. وسرعان ما بدأ بين اليهود
تيار اعتناق المسيحية بمحض الإرادة.

عام 1414، أقيم حوار في "تورتوزا" بين
القادة المسيحيين واليهود. وقد حضر اللقاء البابا مبارك الثالث عشر شخصيا. وقد كان
من بين اللجنة المسيحية، طبيب البابا، اليهودي المتنصر، جيرونيمو دي سانتا فيه.
وكانت نتيجة هذا الحوار موجة أخرى من معتنقي المسيحية بين اليهود. في أراغون وحدها،
نال سر العماد 3000 يهودي. بطبيعة الحال، أدى هذا كلّه إلى نشوء بعض التوتر في
العلاقة بين اليهود الذين بقوا يهودا وأولئك الذين اعتنقوا المسيحية. واعتبر أحبار
اليهود بعد عام 1391 أن كل اليهود الذين أجبروا على اعتناق المسيحية هم يهود لا
مسيحيين. لكن في العام 1414 عاد الأحبار ليقروا أن الكونفرسوس (conversos/اليهود
المعمدين) هم فعلاً مسيحيون حقيقيون لأنهم تركوا اليهودية عن طيب
خاطر.

حوالي منتصف القرن الخامس عشر، نشأت ثقافة خاصة بالكونفرسوس في
إسبانيا، يهوداً في العرق والثقافة، كاثوليك في العقيدة. الكونفرسوس، سواء المعمدين
الجدد أو أحفاد المعمدين الجدد، باتوا يفتخرون بهذه الثقافة. بعضهم راح يؤكد أنهم
أفضل من "المسيحيين القدامى" وذلك لأن اليهود تربطهم بالمسيح صلة دم. حتى إن أسقف
اليهود المعمدين في بورغوس، ألونسو دي كارتاخينا، كان في صلاته للسلام الملائكي
يقول: "يا قديسة مريم، يا والدة الله وقريبتي بالدم، صلي لأجلنا نحن
الخطأة...".

توحيد إسبانيا

بعد أن تخلصا
من الخطر البرتغالي وردعا جنود ألفونس، اضطر فرديناند وإيزابيل لقضاء سنوات طويلة
للتخلص من الفساد الذي خلَّفه هنري في مؤسسات الحكومة وفي الجيش. كان الجيش ضعيفاً
للغاية بسبب إهماله من قبل هنري. فسيطرت العصابات على البلاد. وفي هذه الفترة قوي
نفوذ اليهود وسلطتهم حتى إنهم كانوا يجبرون المدينين لهم أحيانا إلى نبذ الديانة
المسيحية وفاءً لديونهم. ونمى أيضا نفوذ المسلمين المعمدين الذين انتشرت فيما بينهم
الهرطقات القديمة.

لذلك سافر الملكان من مدينة إلى أخرى يقيمان المحاكم
ويستمعان للشكاوى ويحكمون بين المتخاصمين. فأنشآ قوة شرطة محلية سميت "بالأخوة
المقدّسة" مهمتها التعامل مع اللصوص، وعينا موظفين حكوميين أكفاء لحفظ النظام.
وبذلك حدّ الملكان من فوضى الجريمة والفساد ورفعا مستوى الفضيلة والأخلاق في
البلاد.

ما أن حفظا النظام والقانون في البلاد حتى تفرغا أخيراً لمواجهة
عدوهم في الجنوب/ مسلمي غرناطة الذين كانوا يشكلون تهديداً مستمراً لإسبانيا
المسيحية بغاراتهم المتكررة فينهبون البيوت ويحرقونها ويأخذون الأسرى لبيعهم في سوق
النخاسة. أرادت إيزابيل أن تجعل من إسبانيا قوة قيادية في أوروبا تحمل راية المسيح.
وهذا لم يكن من الممكن تحقيقه إلا بعد تحرير كامل أراضي إسبانيا من
المعتدين.

في العام 1481، قاد فرديناند وإيزابيل آخر حملة في "حرب التحرير /
Riconquista". فتقدمت الحملة ببطء وتغلبت على الصعوبات وعلى اليأس والرغبة في
التراجع إلى أن حل أخيرا الثاني من كانون الثاني عام 1492، حيث استسلم "بوعبديل"
آخر حاكم مسلم في إسبانيا وسلم غرناطة، آخر معاقل المسلمين في إسبانيا إلى الملك
فرديناند والملكة إيزابيل.

كانت نتيجة هذه الحرب الأخيرة دخول الكثير من
المسلمين في الديانة المسيحية بعد أن خُيِّروا بين الجلاء وبين اعتناق المسيحية.
وبات مصير المعمدين منهم مثل مصير اليهود المعمدين، منهم المخلصين ومنهم غير
الصادقين. ونشأت بين المسلمين بعض الهرطقات القديمة فترعرعت المانوية على سبيل
المثال، وبات من الضروري إخضاع اولئك للتحقيق للكشف عن صدقهم وإخلاصهم للدولة
والكنيسة.

في الوقت عينه، فإنّ اتساع ثراء المعمدين اليهود وزيادة نفوذهم
في إسبانيا، أدى إلى إثارة حفيظة المسيحيين الكاثوليك القدامى الذين كرهوا غطرسة
اليهود المعمدين وحسدوهم على نجاحهم. فبدأت بالظهور مناشير التي تدّعي أن اليهود
المعمدين قد تسللوا إلى جميع العائلات والأسر النبيلة في إسبانيا. نظريات المؤامرة
العنصرية أخذت أيضا في الانتشار. وذاع الخبر أن المعمدين اليهود هم جزء من مخطط
يهودي يعتزم السيطرة على نبلاء إسبانيا والكنيسة الكاثوليكية لتدميرهما معاً من
الداخل. وعليه، فإن اليهود المعمدين ليسوا مسيحيين مخلصين بل هم يهود
متخفين.

لقد بين الأكاديميون المعاصرون أن نظرية المؤامرة هذه ليست إلا خيال
محض. فاليهود المعمدين كانوا كاثوليك مخلصين مثلهم مثل المسيحيين الإسبان
جميعاً.

بالتالي، بات التحدي الجديد الذي يواجه فرديناند وإيزابيل هو أولئك
المعمدون الجدد –سواء يهود أو مسلمين- الذين تبوأوا المناصب المرموقة في الحكومة
وفي الكنيسة دون أن يكونوا فعلاً مخلصين للديانة المسيحية. كان هؤلاء المعمدين
الجدد يشكلون تهديداً للكنيسة ولإسبانيا وكان من الواجب إيجاد طريقة لتحديد
المخلصين بينهم من الخونة وحماية الأبرياء.

كثرة تردد هذه الشائعات في شوارع
إسبانيا، أقنعا الملك فرديناند والملكة إيزابيل أن المسألة يجب أن يتم التحقيق
فيها. فاستجاب البابا سكستوس الرابع لطلبهما وأصدر في 1 / 11/ 1478 مرسوماً سمح فيه
للتاج الإسباني بتشكيل محكمة تحقيق تتألف من اثنين أو ثلاثة من الكهنة عمرهما يناهز
الأربعين عاما. كانت المحكمة تخضع كليا للبلاط الملكي. ولما كان الكثير من أعوان
فرديناند وحاشيته يهوداً معمدين، لم يولي القضية أهمية كبيرة. وانقضى عامان من
الزمن قبل أن يتم فعلاً تعيين اثنين لهذه المهمة حيث تشكّلت رسميا "محكمة التحقيق
الإسبانية".

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: محاكم التفتيش ...!   2008-02-13, 11:07 am

محكمة التحقيق الإسبانية

لربما كان الملك
فرديناند يعتقد أن هذه المحاكم لن تبلغ شأنا ما. لكنه سرعان ما اكتشف خطأه. فقد
اندلعت موجات الكراهية والبغض في مختلف أنحاء إسبانيا عندما سارع أعداء المعمدين
اليهود –من مسيحيين ويهود – إلى تقديم الاتهامات ضدهم. فباتت المحاكم ذريعة لتصفية
الحسابات الشخصية. فطالب القائمون على المحاكم زيادة عدد الموظفين. لكن كلما ازداد
عدد الموظفين، ازداد معه عدد القضايا المرفوعة إليهم. وانتهى الأمر بأن بات
فرديناند نفسه مقتنعاً أن قضية "اليهود السريين" هي قضية حقيقية.

في هذه
المرحلة الأولى، استخدم المسيحيون القدامى واليهود أنفسهم هذه المحاكم للنيل من
أعدائهم أو خصومهم المسيحيين الجدد (الكونفيرسوس / conversos). هذه المحاكم أقيمت
خصيصا لفحص صدق إيمان المسيحيين الجدد (المرتدين من اليهودية والإسلام) وعليه
فالمسيحيون القدامى لم يكن لديهم ما يخشونه منها ولا اليهود لأنهم كانوا خارج
صلاحية هذه المحاكم، حيث أن هدف لجان التحقيق –كما ذكرنا أعلاه- هو البحث عن الخراف
الضالة وإعادتها إلى الحظيرة الواحدة. يهود إسبانيا لم يكن لديهم ما يخشون من هذه
المحاكم.

في السنوات الأولى للمحاكم، كان ثمة الكثير من سوء الاستخدام
والفوضى. معظم المتهمين تمت تبرئتهم لكن ليس كلهم. فعمليات الإعدام حرقاً كانت
علنية وذائعة الصيت حتى إنها أخافت اليهود المعمدين. ففر الذين كان لديهم أعداء من
مدنهم قبل أن يتم تقديم شكاوى بحقهم. وما أن وصلت المحاكم إلى "اراغون"، حتى كانت
الهستريا قد بلغت مستويات عالية.

حاول البابا سكستوس الرابع وضع حد للأمر.
فكتب إلى أساقفة إسبانيا في 18 نيسان 1482 يقول:
«في أراغون
وفالنسيا ومايوركا وكاتالونيا باتت لجان التحقيق تعمل لا انطلاقا من الغيرة على
الإيمان القويم ورغبة في خلاص النفوس، بل سعياً وراء الثروة ورغد العيش. الكثير من
المؤمنين المخلصين تم الزج بهم في السجون وتعذيبهم واتهامهم بالهرطقة ومصادرة
ممتلكاتهم وتسليمهم إلى السلطات الدنيوية لإعدامهم بناء على شهادة أعدائهم
ومنافسيهم وعبيدهم وغيرهم من الأشخاص سيئي السمعة دون أدلة صادقة ودامغة كافية
لتجريمهم، وهذا الأمر قد أثار استياء ونفور الكثيرين
».

أمر البابا
سكستوس الأساقفة بأخذ دور مباشر وفعال في هذه المحاكم حتى يضمنوا أن قوانين الكنيسة
العادلة هي التي تسيِّر الأمور. وأمر بأن يتم تعيين محامي دفاع قانوني ليمثل
المتهمين وأن يتمتعوا بحق رفع قضيتهم أمام روما. في العصور الوسطى (قبل القرن
الخامس عشر) كانت كلمة البابا ستلقى آذاناً صاغية وتطبيقاً سريعاً. لكن تلك الأيام
كانتْ قد ولَّت وانقضت.

أثارت هذه الرسالة حفيظة الملك فرديناند وكتب
جواباً إلى البابا سكستوس متهما إياه بأخذ الرشوة من "اليهود المعمدين /
الكونفرسوس" حيث قال:
«وصلت إلى آذاني أمور –لو ثبت صحتها –
فإنها تستحق الدهشة والاستغراب... لكننا لم نعطي هذه الإشاعات أهمية لأنها تبدو
أموراً لا يمكن لقداستك أن يقبلها خاصة وأنك ملتزم نحو المحاكم. لكن إذا تبين أن
بعض التنازلات قد تمّ بالفعل تقديمها تحت ضغوط من المعمدين اليهود الماكرين، فإنني
لا أعتزم أبداً جعلها تدخل حيز التنفيذ. لذلك احرص على ألا تجعل الأمور تتفاقم أكثر
منذ ذلك، اسحب أية تنازلات وثق بأننا سنولي القضية اهتمامنا
اللازم
».


وضعت هذه الرسالة نهاية لدور البابا في محاكم التحقيق
الإسبانية. واستمرت منذ تلك اللحظة كذراع للملكية الإسبانية منفصلة تماما عن السلطة
الكنسية. لذلك من المستغرب جدا اليوم أن يتم وصف محاكم التحقيق الإسبانية بأنها
إحدى آثام الكنيسة الكاثوليكية الكبرى. فالكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة لم يكن لها
أدنى مسؤولية تقريبا في هذه القضية اللهمّ سوى المصادقة الصوريّة على قرار الملك
تعيين أحد رجال الإكليروس لمنصب المحقق العام.

عام 1483، عين الملك فرديناند
الدومنيكاني توماس ده توركيمادا محققا عاماً على المحاكم في إسبانيا وأوكله مهمة
بناء نظام متكامل لفحص الأدلة وتحديد الإجراءات الواجب اتباعها وأيضا تأسيس فروع
للمحكمة في المدن الإسبانية الكبرى. صادق البابا سكستوس على هذا التعيين أملاً في
أن تساهم هذه الخطوة في السيطرة على الأمور. كان هذا المحقق العام معينا من الملك
وإلى الملك يقدم تقاريره، أي أن المحكمة باتت مدنية لا كنسية.

لكن المسألة
للأسف تفاقمت وذلك بسبب الفوضى العارمة السابقة وأيضاً بسبب حَيْد المحكمة حتى تلك
اللحظة عن المعايير الكنسية القويمة. عندما وصلت اللجنة إلى بلدة ما، كانت تعلن
"مرسوم رحمة" وهو عبارة عن فترة 30 يوماً مهلة يمكن لليهود السريين التقدم
والاعتراف بخطيئتهم بمحض إرادتهم والتوبة. وهي أيضا فترة للآخرين لكي يقدموا ما
لديهم من معلومات بشأن المسيحيين الذين يمارسون اليهودية سرا فيكشفونهم. كل من
تمَّت إدانته بعد انتهاء مدة المرسوم كان يتم إعدامه حرقاً.

وصول المحكمة
إلى البلدة بالنسبة لليهود المعمدين كانت مسألة غاية في الجديّة. فقد كان لديهم على
وجه العموم الكثير من الأعداء والكثير منهم مستعدون للشهادة زوراً، أو لربما كانت
ممارساتهم الثقافية والاجتماعية كافية لإدانتهم. لذلك كان الكثير من المعمدين الجدد
إما يفرون من المدينة أو يتقدمون للاعتراف بخطيئتهم وبذلك ينجون من التحقيق ومن
عواقبه الوخيمة.

ازدادت معارضة الإكليروس في الكنيسة لمحاكم التحقيق
الإسبانية وأشار الكثير من رجال الدين إلى أنّ حرق الهراطقة دون أن يكونوا قد تلقوا
تعاليم الدين المسيحي يتعارض مع جميع الممارسات المقبولة. فإن كان اليهود المعمدين
متهمين بأي شيء على الإطلاق، فتهمتهم هي الجهل لا الهرطقة المقصودة. الكثير من
الإكليروس في أعلى المراتب قدموا شكواهم لفرديناند. واستمرت المعارضة أيضا من روما.
وكتب خليفة سيكستوس، البابا إنوسنت الثالث مرتين للملك سائلا إياه أن يظهر المزيد
من الرحمة والعطف واللين مع اليهود المعمدين، لكن هذه الاعتراضات ذهب
سدى.

ومع ازدياد نشاط محاكم التحقيق، بات الكثيرون مقتنعين أن اليهود كانوا
يحاولون إقناع اليهود المعمدين بالعودة إلى حضن الديانة اليهودية. في نهاية المطاف،
حتى فردنياند وإيزابل اقتنعا بهذه النظرية رغم أنها لم تكن صحيحة. وبما أنهما
اعتبرا أن واجبهما الأول هو تجاه رعاياهم المسيحيين وحمايتهم من الخطر، فقد بدأوا
في العام 1482 بطرد اليهود من مناطق معينة كانت المشاكل فيها متفاقمة. واستمر الحال
على هذا المنوال إلى أن أصدر البلاط الملكي مرسوماً بتاريخ 31 آذار 1492 يقضي بطرد
جميع اليهود من إسبانيا.

توقع الملك والملكة أن يؤدي هذا المرسوم إلى
اعتناق اليهود للديانة المسيحية. وقد صدق حدسهم. فقد اعتنق الكثير منهم المسيحية
خاصة أولئك الذين كانوا يحتلون مراكز مرموقة في الدولة. كان عدد اليهود في ذلك
الوقت 80,000. اعتمد تقريباً نصفهم وحافظوا على ممتلكاتهم ومراكزهم. والبقية رحلت،
لكن الكثير من الذين رحلوا عادوا إلى إسبانيا واعتنقوا المسيحية واستعادوا
ممتلكاتهم.

كانت السنوات الخمسة عشرة الأولى من تولي توماس ده توركمادا
رئاسة محاكم التحقيق الإسبانية، هي الأكثر فتكاً. تم إحراق حوالي 2000 يهودي معمد.
لكن حوالي العام 1500 هدأت الهستيريا. ففي العام 1498، تم تعيين الكردينال فرنسيس
خيمينز ده سيسنيرسوس، أسقف توليدو، خلفاً لتوركمادا فعمل جاهداً من أجل إصلاح
المحكمة، وأزال "التفاح العفن" منها وأدخل التعديلات على الإجراءات
المتبعة.

بعد إصلاحها، لم تعد المحكمة تتعرض للانتقادات إلا النذر اليسير.
فقد تولى الأمور فيها رجال مثقفين ومتعلمين وبات النظام القضائي فيها مثالاً يحتذى
به بين الهيئات القضائية في أوروبا. خلال الأعوام الثلاثمائة وخمسين من عمر المحكمة
تم إعدام حوالي 4000 شخص حرقاً. أكثرهم تم إعدامهم في العشرين سنة الأولى فقط من
عمل المحكمة الفعلي.

أما بخصوص التعذيب في الزنزانات، فقد بينت مراجعة سجلات
هذه المحاكم أن التعذيب طال حوالي 2% فقط من القضايا. حيث كان المعذب يتعرض لربع
ساعة من التعذيب. وفي 1% من الحالات تعرض المتهم للتعذيب مرتين، ولم يتعرض أحد
بتاتا للتعذيب للمرة الثالثة.

لماذا سمعة المحكمة
الإسبانية سيئة؟

أين هم ملايين الذين احترقوا بنيران المحاكم؟! أين
أشكال الزنزانات الرهيبة والتعذيبات اللامحدودة وأنات المساجين؟! أين هم اليهود
الذين لاحقتهم الكنيسة الكاثوليكية بكل شراسة وبدون رحمة؟! إن كانت هذه الأمور كلها
محض خيال وادعاءات كاذبة، فما مصدرها وكيف نشأت؟!

في الواقع، ما أن حل منتصف
القرن السادس عشر، حتى كانت إسبانيا إحدى أغنى دول أوروبا وأعظمها قوة. ورأى الملك
فيليب الثالث نفسه المحامي الأمين عن الكنيسة الكاثوليكية، بعكس مناطق أوروبا
البروتستانتية مثل هولندا وألمانيا وإنكلترا. لكن هذه المناطق البروتستانتية كانت
تملك قوة كبيرة هي: "المطبعة". بعد أن انتصرت إسبانيا في الحرب وهزمت البروتستانت
في ساحة المعركة، شنَّ البروتستانت معركة دعائية قاسية باستخدام المطبعة وربحوها.
في هذه الفترة ولدت وترعرت فكرة "الأسطورة السوداء" الشهيرة وانتشرت. تمت طباعة
العديد من الكتب والمناشير التي تتهم الإمبراطورية الإسبانية بآثامها اللاإنسانية
وجرائمها الفظيعة. وتم وصف إسبانيا بأنها بلاد الظلام والجهل والشر. ورغم أن
الأكاديميون المعاصرون قد نبذوا فكرة "الأسطورة السوداء" واعتبروها نسج من الخيال،
لكنها ما زالت حية في أذهان الكثيرين إلى يومنا هذا.

استقت الدعاية
البروتستانتية من مناهل الأسطورة السوداء بكل حرية، ولكن كان لها أيضا مصادر أخرى.
فقد كان من واجب البروتستانتية تفسير الثغرة التي دامت 15 قرنا بين تأسيس المسيح
لكنيسته وبين تأسيس البروتستانتية. فكان الكاثوليك يشيرون إلى البروتستانتية بأنها
اخترعت ديانة جديدة لا تربطها صلة بكنيسة المسيح. وكان رد البروتستانت على هذا
الاعتراض بأن كنيستهم أسسها المسيح نفسه ولكنها اضطرت إلى الاختفاء والاستمرار سراً
بسبب الكنيسة الكاثوليكية. فكما أن الامبراطورية الرومانية اضطهدت المسيحيين
ودفعتهم إلى العيش في الدهاليز، كذلك خليفتها، الكنيسة الكاثوليكية الرومانية
استمرت في اضطهادهم طوال العصور الوسطى.

لكن الاعتراض المنطقي على أقوالهم
جان: لم يكن ثمة بروتستانت في العصور الوسطى!

هذا الاعتراض لم يُعْجِز
مؤسسي البروتستانتية الذين أعلنوا أنهم كانوا متخفين تحت قناع الهرطقات المختلفة
التي شاعت في القرون الوسطى (كانت هذه الهرطقات بالفعل متخفية وتعمل بسرية). عام
1556 أصدر متياس فلاتشوس إليريكوس كتابه بعنوان "كتالوج شهود الحقيقة" الذي أعلن
فيه أن الهراطقة القدامى (هراطقة العصور الوسطى) لم يكونوا هراطقة بل كانوا شهوداً
وورثة لكنيسة القرون الأولى الحقيقية التي اختبأت في الدهاليز ورسلها. وعليه تم
إخراج الكتاريين والفالديين والهسيين وغيرهم في ثوب جديد تحت ضوء نظرية الكنيسة
"المخفية". وعليه، لم تكن محاكم التحقيق الإسبانية سوى محاولة يائسة لتحطيم الكنيسة
الحقيقية المختبئة.

هذا الكتاب وغيره ساهم في تشويه سمعة محاكم التفتيش
الإسبانية.

إليكم هذه الشهادة من فم المؤرخ المعاصر "كامين" وهو من أشهر
مؤرخي محاكم التحقيق، وذلك في كتابه: «محاكم التحقيق في بدايات أوروبا المعاصرة:
دراسات حول المصادر والوسائل»:

«العدد الصغير نسبياً لعمليات الإعدام هو
دليل فعال ضد الصورة القاتمة التي رسمتها الأسطورة عن محاكم تحقيق متعطشة للدماء.
لا يمكن لشيء أن يمحو الأثر الذي خلفته السنوات العشرين الأولى من تاريخ المحكمة.
ولا يمكن أيضا التقليل من قيمة الاعتداءات الوحشية العرضية التي كانت تقوم بين
الفينة والأخرى. لكن من الواضح أن المحاكم في أغلب فترات وجودها كانت أبعد ما تكون
عن قوة الموت الساحقة. الأرقام التي ذكرناها حول المحاكم في فالنسيا وجاليسيا تشير
إلى أن نسبة الإعدام هي أقل من 2% بين المتهمين. وقد تم تقدير أنه من بين 19 محكمة
تم تحليل وثائقها، فإن نسبة الإعدام ما بين عامي 1540 و1700 هي 1.83%.
وعليه فإن
العدد يقارب حوالي ثلاثة حالات إعدام فقط في العام في كافة المملكة الإسبانية من
صقلية وحتى البيرو».


منقول عن ( ابن العرب )

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
محاكم التفتيش ...!
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: العيادات الخارجيه :: بيت الخلوه-
انتقل الى: