الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلس .و .جالأعضاءالمجموعاتدخولمكتبة الصوراليومية

شاطر | 
 

 مقالات د ( احمد خالد توفيق )

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:10 am

لأنه الأستاذ
بقلم واحد غيري


قبل أن أخط حرفاً في هذا المقال، يجب أن أعترف بأن العبد لله ليس متخصصاً في السينما ولم يدرسها إلا بشكل هاو من خلال مشاهدة الأفلام، وقراءة كل ما وقع في يده عن هذا الفن الرائع. لكني أحسب أن عندي عقلاً يميز، وأعرف الزبد الذي يذهب جفاء وما ينفع الناس. أعرفه وإن كنت لا أعرف غالباً كيف أقدم الأخير.
السؤال الذي أريد أن أسأله هو: هل العبقري (يوسف شاهين) عبقري حقاً ؟.. لنضع السؤال بشكل أدق: هل (يوسف شاهين) المؤلف Auteur قد أضاف شيئاً ليوسف شاهين المخرج ؟...سؤال أمين لا أبتغي منه إلا الظفر بإجابة أمينة .. ويجب أن اذكر القارئ الكريم بأنني أعتبر (الأرض) أعظم فيلم مصري على الإطلاق، ولم أستطع قط أن أرى لقطة واحدة من (باب الحديد) من دون أن أتابع الفيلم حتى كلمة النهاية.
يكتم البعض ابتسامته الخبيثة ويهمس البعض في ضيق: "هي ذي اللعبة التقليدية .. اقذف العمالقة بالحجارة ليُذكر لك أنك يوماً قذفتهم .. جربها الكثيرون مع (العقاد)، وجربها (العقاد) نفسه مع (شوقي) في مستهل حياته حين فتح عليه مدافع الديوان..". لكني أكرر أن هذه هي المشكلة فعلاً.. لا أحد يصدق أو يقبل أو يسمح بأن يكون (يوسف شاهين) أقل من المكانة التي رسمناها له..ومن هنا يأتي السؤال: هل الإمبراطور بكامل ثيابه أم أننا نخشى الاعتراف بعكس ذلك كي لا نبدو حمقى ؟ لماذا؟.. لأنه الأستاذ..
لقد قدم شاهين فيلمه الأخير (إسكندرية نيويورك) وفيه تحدث عن الأمور التي تروق له كالعادة بدءاً بـ(فريد استير) والدراسة في أمريكا الخ، تملق تلك الأخيرة إلى حد لا بأس به، لكن هذا الصنم القاسي لم يتقبل القربان، ورأى أنه دون المستوى طبقاً لكلمات لجنة التحكيم في مهرجان نيويورك .. والنتيجة..سوف تبدأ أعنف حملة ممكنة تتهم رفض المهرجان لفيلم شاهين الأخير بأنه عمل عنصري قذر، وأنه يعبر عن الوجه القبيح الحقيقي لأمريكا. ولن يجرؤ أحد أبداً على مراجعة إمكانية أن يكون الفيلم رديئاً فعلاً. لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
هذه هي مشكلة يوسف شاهين.. إنه تحول إلى Cult غير قابل للمراجعة أو المناقشة. وحتى الكومبارس الذي يقدم للبطلة كوب ماء في أحد أفلامه يعتبر نفسه أستاذاً من أساتذة التمثيل، ويقول في وقار وغموض:" أفضل أن يرى الناس العمل ليحكموا بدلاً من أن أتكلم عنه". وغدا من التقليدي في كلام أي ممثل أن يحكي عن (تجربة التطهير أو الميلاد الجديد) التي اجتازها بالعمل مع شاهين.
يصر شاهين على أنه مفكر .. وهنا أخطر المآخذ التي لا أدري كيف نقبلها في أفلامه .. إلام يفضي المسار الفكري لفيلم (المهاجر) ؟.. رؤية مختلة لقصة سيدنا يوسف مع تنويه واضح إلى أن (الأرض لمن يستطيع أن يزرعها) ولا أعرف إلام يفضي بنا هذا ؟.. ماذا عن الرسالة المضطربة في (وداعاً بونابرت) حول أن العلاقة المثلية بين جنرال فرنسي وشاب مصري هي الطريق الوحيد إلى امتزاج الحضارات والسلام ؟. حل مشكلة التطرف في (المصير) هو أن نرقص أكثر.. وقد نشب خلاف صحفي شهير عندما عرض (حدوتة مصرية) لأنه تجاهل كون الفكرة ليوسف إدريس .. قال يوسف إدريس إن شاهين جاءه بفكرة ساذجة عن ولد اسمه (آدم) وبنت اسمها (حواء) يلتقيان للحب فيبرز لهما رجل غليظ يحمل شومة المفترض أنه (المجتمع).. طبعاً لم يكن إدريس مستعداً لسماع المزيد من هذا الكلام، وقدم فكرته العبقرية التي تدور حول محاكمة إنسان داخل ضلوعه، بسبب إحباطه للطفل بداخله.. وكيف تحول هذا الطفل إلى جلطة تسد شرايينه التاجية. يمكن لنا إذن أن نتصور الفيلم لو خرج بصورته الأولى !
في أفلام شاهين يتكرر ذلك الخلط الساذج بين المتصوفين ورواد الموالد والأصوليين، فهو – كالخواجات تماماً – يضع كل هؤلاء في سلة واحدة تمسك بالدف وتتطوح ذات اليمين واليسار، برغم أنه لا يمكن الجمع بين المتصوفين والأصوليين أبداً، فكلاهما يرى الآخر خارجاً عن الدين. وقد اتهمه د. (عاطف العراقي) أستاذ الفلسفة الشهير بأنه اخترع (ابن رشد) لا وجود له.. ماذا عن الإرهابي الذي يضع أيقونة القنبلة على بريده الإلكتروني ؟... لكن أحداً لا يعلق .. لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
أما عن الجانب الأخلاقي للأفلام فهناك ميزانان في الرقابة .. ميزان للعامة وميزان لشاهين .. هكذا تصفح الرقابة في تسامح أسطوري عن علاقات الحب المثلية التي لا يخلو منها فيلم من أفلامه تقريباً، ولعله تملق لتيار العولمة، وأراهن أنه يفتخر في مناقشاته الخاصة في الغرب بأنه أول من تجاسر على تقديم علاقات كهذه لمجتمع متخلف. تصفح الرقابة عن العلاقات الأسرية المختلة في كل فيلم..عن الاشتهاء الواضح من الأم لابنها في (الآخر)، وتصفح عن اشتهاء الأخت (صفية العمري) لأخيها في (المهاجر)..حتى زوجة الفيلسوف (ابن رشد) لم يرحمها .. إننا نرى في عينيها اشتهاء كاملاً للفتى الفرنسي الذي جاء يتتلمذ على زوجها. وتصفح عن مشاهد كاملة في (إسكندرية نيويورك) لو قدمها سواه لعلقوه مشنوقاً في ميدان (طلعت حرب).. ما معنى هذا ؟. نظارة هيبة العبقرية وضعت على عين الرقيب فلم يعد يرى... لماذا ؟.. لأنه يتعامل مع الأستاذ..
دعك من الميزانسين المحفوظ المكرر في أفلامه. فالناس لا يتكلمون بهذه الطريقة، كأن يقف أحدهم وراء جدار ويطل من نافذة فيه ليكلم الآخر الواقف في الناحية الأخرى. بالإضافة لهذا يبرهن يوسف شاهين عن أنه لا يفهم شيئاً عن الأسرة المصرية المتوسطة التي يقحمها في كل أفلامه. وهو يعتبر ذروة المصرية أن تقول (حنان ترك) لأمها وهي ترقص (خطبني تحت المطر) فتقول أمها دامعة العينين: (مش حاقول رأيي غير لما اشوفه)..
أما عن التمثيل فهو لم يكف يوماً عن خنق موهبة ممثلين عظام مثل (محمود حميدة) وآخرين ليتحركوا في القيود الضيقة التي صنعها لهم، كما لم يكف عن اكتشاف وجوه لا علاقة لها بالتمثيل مثل (هاني سلامة) و(أحمد محرز) و..و... لماذا يقحم داليدا لمجرد أن يثبت أنه يستطيع ؟.. يقول الناقد (سامي السلاموني): "اختار (شاهين) للفيلم (سعاد حسني) ثم (محسنة توفيق) ثم (فردوس عبد الحميد) وفي النهاية استقر على (داليدا).. كيف يصلح لسعاد حسني ما يصلح لداليدا ؟.. معنى هذا أن يوسف شاهين لا يؤمن بقيمة الممثلين، وهو يرصهم كقطع الشطرنج في أفلامه ليقولوا أي كلام". لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
وترى الفيلم أي فيلم فلا ترى معجزة تمثيلية ما.. إن الممثلين متخشبون مسجونون في قيود فولاذية فرضتها شخصية شاهين القوية عليهم، ولا أحد منهم يجرؤ على حركة زائدة .. الكلام يخرج على طريقة (عمر الشريف) في (صراع في الوادي) من شفة عليا مسدلة متصلبة، وكأنه طلقات الرصاص مع نغمة ناعسة ملول لا داعي لها، والمقاطع مدغمة، والتعبير على الوجه يأتي بعد إنهاء الكلام لا معه. وأشك في أن كل من مثل معه عاش أقسى لحظاته وإن كان لا يعترف بهذا.
ماذا عن الحوار الركيك الذي يصر على كتابته على غرار (أمريكا إلي محدش يقدر عليها) ؟.. وهو ينهي المصير بعبارة بالغة العمق (الأفكار لها أجنحة محدش يقدر يحبسها).. ماذا عن الإصرار على فريد أستير الذي لم يكن قد عرض له أي فيلم في مصر عندما انتشرت الكوليرا في (اليوم السادس).. ؟..يقول سامي السلاموني: "كيف عرف القرداتي كل هذا عن (فريد أستير) ما لم يكن قد سافر إلى نيويورك ليحضر عرض فيلمي (في المدينة) و(الغناء تحت المطر) ؟".
لكننا نعرف السبب .. لقد قدم شاهين هذا فقط لأنه يحبه.. كما يمكن أن يقدم فيلماً كاملاً مثل (إسكندرية كمان وكمان) ليثبت أنه راقص بارع و(إسكندراني جدع).. لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
كما قلت في بداية المقال، لا اعتراض لي على يوسف شاهين المخرج .. بل إنه من أعظم مخرجينا وأكثرهم سيطرة على تكنيك أفلامه. لكن – كما يقول سامي السلاموني - ماذا يبقى من أفلامه إذن لو نزعنا التكنيك ؟. وطبعاً لا اعتراض على التصوير والمونتاج لأنه يعمل مع الطاقم الأفضل دائماً...
المخرجون من عينة محمد خان وصلاح أبو سيف وخيري بشارة وداود عبد السيد قدموا أساليب فريدة ناضجة لكن من دون ادعاء، ولم يتهمهم أحد بالعبقرية، كما إنهم – على قدر علمي – لم يتلقوا قدراً زائداً من التدليل .. ..
بالنسبة لي يوسف شاهين هو العبقري الذي قدم باب الحديد والأرض ... هو المخرج فقط لكن لي ألف اعتراض على المؤلف .. فما رأيك أنت ؟

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:12 am

شباب عاوز الحرق .!


ثمة إجماع في وسائل الإعلام والأعمدة الصحفية على أننا رزقنا – من دون الأمم – بألعن جيل من الشباب الرقيع المنحل الشهواني التافه.. (شباب عاوز الحرق) باختصار شديد.. نحن وكل جيلي سلبنا الشباب أحلامه، واحتللنا المناصب التي يمكن أن يطمح إليها، وحرمناه أبسط الحقوق التي يمارسها أي قط في زقاق: الملجأ والزواج، وأعطيناه سفينة غارقة نخرة امتلأت بالثقوب نُهب كل لوح خشب وكل مسمار فيها، وقلنا له إن عليه أن يتولى الإبحار بها بعدنا .. وينظر الشاب إلى البحر الذي يعج بالأساطيل وحاملات الطائرات التي صنعها الآخرون، فيتساءل: ماذا كنتم تفعلون طيلة هذا الوقت حينما كانت السفينة لكم ؟.. فنقول له: أنت شاب شهواني قليل الأدب .. وربما سافل كذلك .. مشكلتك هي أنك كسول تريد كل شيء بلا تعب ..
نعم .. وسائل الإعلام تنظر بريبة واضحة إلى هؤلاء الأوغاد بشواربهم نصف النامية والحبوب في وجوههم وأصواتهم الخشنة .. وهي تتظاهر بحبهم وتقدم لهم الكثير من (نانسي عجرم) و(أليسا)، لأنهم ما زالوا الوسط الاستهلاكي الأفضل، لكنها تعتقد في قرارة نفسها إنهم خطر أمني داهم، وأنهم يدارون ذيولهم في سراويلهم ..
المشكلة فعلاً أن الشباب لم يعد على ما يرام .. هذه الطاقة الكاسحة المعطلة التي حرمت الأمل والمشروع القومي المشترك تزداد خطرًا يومًا بعد يوم، والفراغ يهدد كل شيء وكل بيت .. لاحظ انتشار الكافتيريات وملاعب البلياردو ومقاهي السايبر.. باختصار: ثقافة البطالة. لاحظ نمو التطرف الديني الذي تزامن مع غياب المشروع القومي والأمل في الغد. ولغة (الروشنة) التي يستعملها الشباب تحوي في 90% من كلماتها معاني الاستهتار والتحدي .. دعك من الوقاحة التي يشكو منها كل مدرس .. يحكي الدكتور (جلال أمين) – العالم الوقور عظيم الشأن - عن شاب من هؤلاء دنا من سيارته وهو جالس فيها ينتظر زوجته، فاستند على النافذة بجواره، وراح يثني مرآة سيارته ويفتحها بلا توقف وبلا هدف واضح وعلى سبيل التحدي فقط، بينما ظل الأستاذ الكبير جالسًا في السيارة صامتًا يرقب هذا السلوك غير المفهوم..
لكننا نحن المسئولون بالكامل عن خلق هذا الوحش .. وكما يقول الشاعر العربي:
إنا بأيدينا جرحنا قلبنا .. وبنا إلينا جاءت الآلام
قرأت لأحد الصحفيين الكبار (الفلاسفة) – ولن أذكر أسماء لأن بلاط السجن سيكون باردًا جدًا في هذه الفترة من السنة - أنه كان في رحلة مع مجموعة من الشباب حينما سمعهم يغنون: الأقصر بلدنا بلد سواح .. فيها الأجانب تتسوح .. وكل عام وقت المرواح بتبقى مشتاقة تروح .. وتسيب بلدنا !
يتساءل الأستاذ العبقري: أين ذهب الانتماء لدى جيل الشباب ؟... ذهب يا سيدي الفاضل بسببك وسبب أمثالك، الذين أيدتم كل نظام حكم وكل سياسة، وعملتم جاهدين من أجل الوصول إلى الثراء والنفوذ صاعدين سلمًا من أجساد الشباب المطحون .. في عصر كانت الصحف المصرية ترسم فيه الزعماء العرب جالسين على (قصرية) أطفال، وفي عصر كان يعلن فيه في الصحف عن زيادة الأسعار فتكتب مقالاً كاملاً تؤيد فيه هذه الخطوة المباركة التي تأخرت كثيرًا، وحينما يضع السادات كل قوى مصر السياسية في السجن تكتب مباركًا (ثورة سبتمبر) هذه ..
يؤمن الشباب بعبد الناصر فيخرج ألف كتاب يلعن عبد الناصر .. يحن الشباب إلى سعد زغلول فتمزقون سعد زغلول ..كل إنجازات يوليو تحولونها إلى كوارث يوليو .. تهللون للاشتراكية في عهد عبد الناصر ثم تلعنون أباها في عهد السادات .. وتلعنون أمريكا في عهد عبد الناصر وتكتشفون أنها الشريك الكامل الأمين في عهد السادات. ولولا بعض الحياء والخشية من النظام الحالي الذي يستمد شرعيته من أكتوبر لشككتم في حرب أكتوبر ذاتها : "المصريون لم يعبروا القناة في أكتوبر .. القناة هي التي تحركت إلى الغرب بضعة كيلومترات".
في إحدى فترات الخلاف العابرة مع أمريكا قرأت مؤخرًا لصحفي كبير جدًا يقول: "علينا أن نشفى من خرافة أن 99 من أوراق الحل في يد أمريكا!". والحقيقة أنك يا سيدي كتبت هذه الخرافة مرارًا من قبل خاصة في عهد السادات ..من حسن حظ الشباب أنه لم يقرأ مقالاتك القديمة تلك وإلا لجن بالتأكيد..
تخرج وسائل الإعلام للقاء الشباب ومعها المذيعة التي سكبت زجاجة أكسجين كاملة على شعرها ووضعت طنًا من المساحيق كأنها إحدى بطلات مسرح الكابوكي الياباني.. تسأل الشاب عن اسم وزير (التوابع المضادة) أو وزير (التعاون الإعلامي التخطيطي) فلا يمن الله عليه بكلمة .. من ثم تخرج الصحف صارخة: الشباب تافه شهواني رقيع .. ليت الشباب يهتم بعقله كما يهتم بالدهان الذي يسكبه على شعره ..
الحقيقة أن الإجابة عن هذا تكمن في كلمات (أورويل) في روايته الرائعة 1984 عندما دبت مشادة بين البطل وحبيبته حول (هل كان الحزب في حرب مع أيستاسيا أولاً أم كان في حرب مع إيوراسيا ؟)... يقول (أورويل) إن الفتاة لم تكترث بهذا على الإطلاق لأنها لا ترى فارقًا بين هراء وهراء آخر ..
الشاب لم يختر وزير (التعاون الإعلامي التخطيطي) ولم يسمع عنه من قبل، ويوم يرحل هذا الوزير فلن يعرف أحد السبب .. إذن ما جدوى معرفة اسمه ؟.. لا فارق بين (هراء وهراء آخر).. اسمحوا للشاب أن يختار وزير (التعاون الإعلامي التخطيطي) ثم طالبوه بأن يعرف اسمه، وانصبوا له المشانق لو لم يعرفه ..
نفس الشيء ينطبق على الأسئلة من طراز (متى مات بيلاطس البنطي ؟).. (ما طول نهر المسيسبي ؟).. (من مؤلف كتاب تثقيف الشعوب في تقنية الحاسوب ؟).. السيدة المذيعة لو انتزعوا منها البطاقة الأنيقة لن تعرف الإجابة، والسيد المعد لا يعرف الإجابة وأنا لا أعرف الإجابة، وليس مما يفيد الإنسان المعاصر أن يعرف طول نهر المسيسبي ما دامت هذه المعلومات موجودة في أية دائرة معارف .. إنها ثقافة (الكلمات المتقاطعة) التي يصرون على أنها هي الثقافة ولا شيء سواها، بينما الثقافة هي أن تستخدم ما تعرف في تكوين مفهوم متكامل للعالم من حولك وكيفية التفاعل معه ..
لكن وسائل الإعلام لا ترضى بهذا .. هي لا تريد إلا أن ترى الدماء تسيل وتلطخ كل شيء .. لهذا تطالب برأس الشاب التافه.. بينما اسم آخر أغنية لراغب علامة أو عيد ميلاد روبي هي بالفعل معلومات تبدو مهمة للشاب .. على الأقل هو لا يُرغم على معرفتها، وتمس حياته – ورغباته – بشكل واضح .. ولا تتعالى عليه أو تعده بما لا يمكن تحقيقه .. ولا تهدم ما آمن به من قبل بلا مبرر.. والأهم أنها لا تسد عليه طريق الترقي والنمو في الحياة .. باختصار: (روبي) تبدو هي الشيء الوحيد الحقيقي وسط كل هذه الأوهام وكل هذا الكذب ..
الشباب ليس مجموعة من الملائكة، لكنهم ليسوا شياطين ..سوف يصيرون كذلك لو لم نفق من غيبوبتنا، ونحن لسنا ملائكة ولا شياطين .. نحن ملاحون خائبون غرقت سفينتهم أو كادت .. وعلينا أن نترك قطعة خشب واحدة طافية ليتمسك بها من يأتون بعدنا.

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:13 am

وسقوط الأوهام


يحكي الأستاذ محمد حسنين هيكل عن شاه إيران في أيامه الأخيرة، عندما شعر بوجود مظاهرات عارمة في الشوارع فأرسل خادمه العجوز إلى خارج قصر الطاووس ليتحرى الأنباء، وعاد الخادم ليقول له ما يرغب في سماعه: المظاهرات محدودة يقودها بعض الشيوعيين ولسوف تخمد سريعًا. لكن الشاه لم يسترح لهذا الكلام، فركب طائرته الهليوكوبتر سرًا وحلق في سماء طهران ليرى بعينه كل هذه الحشود التي أمضت ليلتها في الشوارع. وقد سأل طياره في ذهول: هل كل هؤلاء يتظاهرون ضدي ؟. لم يرد الطيار وكانت هذه على كل حال إجابة كافية جدًا. على أن الشاه لدى عودته للقصر أصيب بحالة بارانويا كاملة جعلته يشك في الجميع، وأصدر تعليماته بألا يزور جناحه أحد حتى الإمبراطورة ذاتها..
إنها اللحظة المحتومة حينما يدرك الطاغية الحقيقة .. إنه لا يملك أية شرعية لدى شعبه وإنهم يمقتونه حقًا .. لا صحة لكلام الحاشية ولا مستشاري السوء .. ليس المتظاهرون (قلة حاقدة) وإنما هم الشعب ذاته بلا نقصان .. وهذا يدلنا على حقيقة أخرى مهمة: حتى أعتى الطغاة يعاني حاجة نفسية ملحة لأن يشعر بأنه على حق وأن هناك من يؤيده .. وانهيار هذا المعتقد قاس جدًا بالنسبة له.
كان هذا في الأيام السعيدة التي يضطر فيها الحاكم إلى ركوب الهليوكوبتر أو الخروج متخفيًا ليرى بعينيه كراهية شعبه له، أما اليوم فالكراهية نفسها تتسلل إلى غرفة نوم الحاكم عبر شاشات الفضائيات..
يحدث هذا برغم آلاف المفسرين والمؤيدين ذوي موهبة تبرير كل ما يقوم به الحكام .. يذهب الحاكم لمؤتمر (الفسكونيا) فيسودون الصفحات يشرحون فيها أهمية أن ننضم إلى تيار (الفسكونيا) أخيرًا لأن الزمن غير الزمن وقواعد اللعبة تبدلت، ثم ينسحب الحاكم من مهرجان (الفكسونيا) فيسودون عشرات الصفحات عن عبثية (الفكسونيا) وذلك الوهم الذي ما زال البعض يعيشون فيه. وهي بحق موهبة تستأهل ما ينالون من أجور ومزايا.
إن موقف الحكام اليوم أقرب إلى الكوميديا السوداء لو كانوا يرون الفضائيات – وهو الاحتمال الأرجح من باب الفضول على الأقل - ويسمعون كل ما يقال ضدهم بلا قيود ولا رقابة .. خاصة مئات المداخلات عبر الهواتف الدولية والتي يستخدم أصحابها أسماء مستعارة، ويتصلون من هواتف عمومية على الأرجح. ثمة من يتهمهم بالعمالة والكفر، ومن يتهمهم بالجبن والتخاذل، ومن يحكي الفظائع التي حدثت له على أيدي عسسهم. هكذا تتولد علاقة فريدة من نوعها جديرة بالدراسة ..
لم يعد واحد من الحكام العرب يملك أية أوهام بصدد شعبية مزعومة يحاول الشيوعيون أو الأصوليون تدميرها .. لقد صارت الأمور واضحة واللعب (على المكشوف).. إنهم يكرهونني كالجحيم وأنا كذلك أكرههم .. ولولا عصا الأمن الغليظة لحولني هؤلاء إلى أشلاء ..
من هنا تتولد عقدة السجان المعزول في محيط يمقته.. إنه أكثر الناس قلقًا في السجن. وتدريجيًا يفقد أي ولاء كان يحسبه لديه تجاه شعبه .. فهو غير مدين للناس ببقائه وإنما هو مدين للأمن وللقوى الخارجية ، وليست عليه التزامات من أي نوع تجاههم .. إنها علاقة من انعدام الثقة والمقت المتبادل .. يقول المثل العامي إنه حينما مات كلب العمدة ذهبت البلدة كلها للعزاء، فلما مات العمدة لم يكلف أحد خاطره .. وقد أدرك الحكام هذه الحقيقة وعرفوا أن قيمتهم الوحيدة هي المنصب والقوة ..
هل يعني هذا أن الفضائيات أدت إلى تدهور علاقة الحاكم بالمحكوم في الدول الشمولية ؟.. هذا التدهور موجود وكان سيتفاقم عاجلاً أم آجلاً، لكنها أدت المهمة بشكل أسرع وبأسلوب (توصيل الخدمة إلى المنازل). فلم تعد ثمة مصداقية لمن يكذب على الحاكم بينما لا مصداقية لمن يكذب على الشعب قبل الفضائيات بزمن سحيق. أما إلام يفضي هذا الغليان وهذا الحراك الجيولوجي كله فالعلم عند الله.

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:14 am

عن مكدونالد والبطة دونالد


من الخصائص المهمة في الإمبراطورية الأمريكية كونها تقدم – كما يقول الأستاذ هيكل – نمطًا معيشيًا وثقافيًا بالغ الجاذبية. إنها الإمبراطورية الأولى في التاريخ التي تستعمل هذا النوع من السلاح. وفي الماضي كان من السهل أن تمقت الإمبراطورية الرومانية بكل رموزها؛ فلم تكن كتابات ماركوس أوريليوس أو خطب بلليني الأكبر تتسرب إلى دارك، أما اليوم فأنت تشتم الولايات المتحدة ثم تقضي الليل كله مع فيلم أمريكي شائق. يذكر أبناء جيلي أيام الحرب الباردة حينما كان الماركسيون يعدونك بجنة البروليتاريا التي ستتحقق بعد الكثير من الدم والعرق والدموع، بينما كان الأمريكيون يقدمون لك بالفعل جنتهم الصناعية ذات اللون والطعم والرائحة، حيث تسبح الحسناوات الشقراوات في بحار البيبسي كولا بينما يرقص ميكي ماوس ويحلق سوبرمان في الجو. إنه (العالم الحر)... تلك اللفظة الأمريكية الاستعمارية التي سادت لتصف كل ما ينضوي تحت جناح الولايات المتحدة خارج الستار الحديدي، أما ما وراء الستار الحديدي فحفنة من الجنرالات الساديين المصابين بالشذوذ الجنسي والذين يتكلمون الإنجليزية (المكسرة)، ومواطنين لا يرغبون في شيء إلا الفرار إلى العالم الحر.
منذ أسابيع قدمت قناة الجزيرة فيلمًا وثائقيًا بريطانيًا عن احتلال العراق، وكان المراسل البريطاني يختبئ مع المارينز خلف دبابة بينما طلقات المقاومة تنهمر عليهم.. هنا قال أحد رجال المارينز دعابة ليزيل التوتر، لكنها تستدعي وقفة عميقة: "تصور أننا لم نقصف قط أية مدينة فيها (ماكدونالد) ؟!". وقد اندهش المراسل البريطاني لهذه المعلومة التي ثبت أنها حقيقية. إن ماكدونالد رمز استعماري قوي يعني أن هذه الدولة غير مارقة، وله ذات ثقل القنصلية البريطانية في الماضي.. بل إن ظهوره في بلد ما يعطيها نوعًا من صكوك الأمان ضد الغزو. ولهذا لا نندهش كثيرًا عندما نعرف أن الصين اعتبرت البطة دونالد عميلة للمخابرات المركزية ومنعت دخولها البلاد لفترة طويلة إبان الثورة الثقافية.
إن الثقافة الأمريكية – على مستوى القراءة أو المشاهدة أو الطعام - هي أمضى سلاح في ترسانة الحرب الأمريكية، والولايات المتحدة قادرة بالفعل على فرض أولوياتها الثقافية .. إنها الدولة الوحيدة التي تشتمها وأنت تستمتع بأفلامها وتتلذذ بمشروبها الشهير.
أنت تشعر بأن من يرتادون محلات الوجبات الجاهزة الأمريكية لا يفعلون ذلك لأنهم يحبونها، بل لما يحظون به من (ممارسة للأمركة) على أرض وطنهم، وهم يدفعون ثمن هذه الممارسة غاليًا ..إن هذه المحلات لا تبيع طعامًا لكنها تبيع جوًا وطقوسًُا وهي تعرف هذا .. يلبس الشاب (الكاجوال وير) مع كاسكيت البيزبول المقلوب على رأسه، ويحمل شطيرة الهامبورجر وفي اليد الأخرى كوب البيبسي يبرز منه الشفاط فيشعر بأنه واحد من هؤلاء السادة في مانهاتن، ويا حبذا لو استعمل لفظة Shit مع كل عبارة .. باختصار هم يرتادون هذه المحلات لكي يكونوا من القوم الذين يرتادون هذه المحلات .. لماذا صار الشباب يصافحون بعضهم على طريقة High five أي تلك المصافحات العالية التي يستعملها لاعبو السلة الأمريكيون ؟... لماذا يلبس الشباب القلنسوات الصوفية على غرار الزنوج الأمريكيين مطربي (الراب) ؟.
عندما أشاهد أفلام الأمريكيين وحلقاتهم الكوميدية من طراز كوميديا الموقف Sitcom أجد غريبًا جدًا أن يفهم المواطن العربي هذه المواضيع أو يتذوقها لكن هذا يحدث.. مشكلة الفتى المراهق الذي لا يستطيع مواعدة Dating أية فتاة في الصف .. مشكلة الفتاة في الذهاب إلى حفل الرقص السنوي .. مشكلة الطفل الذي لا يحقق أهدافًا في لعبة البيزبول .. ثم الدعابات السمجة: "أطرف شيء حدث لي في طريقي لهذا الحفل ..تصوروا أنني لم أجد زيتونًا للمارتيني !" فينفجر الجمهور ضحكًا ومعه يضحك (عباس) أو (حلمي) من فرط طرافة الموقف.. لا زيتون للمارتيني ؟... يا للسخرية!. ثم الكلام عن "بطل الكلية الذي يزن مائة رطل وطوله ستة أقدام".. فتحاول أنت جاهدًا فهم ما يمثله هذا بالمتر والكيلوجرام .. ثم يظهر مقدم حفل الأوسكار الذي مهمته هي التظرف – ستيف مارتن غالبًا - ليقول لنا: "لقد شعرت كأنني في رون هوارد شو !" .. هنا ينفجر الجمهور ضحكًا ويوشك على الاختناق .. أنت مطالب بأن تعرف ما تعنيه هذه الدعابة أو تختنق ضحكًا مع الجمهور ..
حتى على مستوى مجلات الأطفال، لماذا لا يتزوج دونالد صديقته ديزي أبدًا ؟..إنه يحاول الفوز بحبها ومن جديد ندخل في نطاق (المواعدة).. لكن ولا كلمة عن الزواج .. أين الآباء والأمهات في هذه القصص ؟..
ويلاحظ من يتابع الأفلام الأمريكية الحديثة أن هناك نغمة تقديس واضحة لثلاثة أنماط من البشر: الزنجي واليهودي والشاذ جنسيًا.. راجع فيلم (أفضل ما يكون) حيث تجد ثلاثة الأنماط معًا. يسهل قبول العنصر الأول بشرط ألا يتحول إلى عنصرية مضادة، وإن كان العارفون ببواطن الأمور يؤكدون أنها مجرد قشرة سطحية تخفي عطن العنصرية .. يسهل قبول العنصر الثاني بشرط ألا يتحول إلى صهيونية أو تعصب أعمى .. أما العنصر الثالث فابتلاعه عسير جدًا.. لكننا نتعلم كيف نبتلعه بالتدريج، وعلى طريقة راسبوتين في ابتلاع جرعات متزايدة من السم يوميًا ..
إن الثقافة الأمريكية قوية إلى درجة أنها تخدر المواطن الأمريكي نفسه .. هذا المواطن الذي يمسك بعلبة البيرة الباردة ويلبس الكاسكيت بالمقلوب ويصلح هوائي التلفزيون لمشاهدة مباراة كرة القدم .. كرة القدم التي يلعبها على عكس العالم كله. وهو يؤمن فعلاً بأن أمريكا تقود العالم الحر وأن ديموقراطيتها هي النموذج الأعلى للشعوب الأخرى.. هذا المواطن التعس الذي آمن بخطر الشيوعية، ثم بعد سنوات راح يتساءل: كيف قادنا ماكارثي إلى هذا كله ؟ ... هل كنا مجانين ؟.. ثم نسى الأمر برمته وحارب في فيتنام وبعدها بسنوات راح يتساءل كيف وصلنا لهذا ؟.. كيف كنا بهذا الحمق ؟.. ثم سرعان ما نسى وأرسل ابنه إلى العراق .. ولسوف يتذكر الأمر بعد عام أو عامين ليتساءل: كيف تركنا بوش يقودنا إلى هذا الجحيم ؟..
بعد خسارة كيري أمام بوش قرأت رأيًا لأحد المواطنين الأمريكيين يقول: لقد كان كيري رائعًا في المناظرات .. لكننا نؤمن أن المناظرات لا تدل على شيء لهذا كان لابد أن يخسر !..
تأمل معي منطق الأطفال هذا: من يفز في المناظرة لابد أن يخسر الانتخابات لأن المناظرات لا تدل على شيء!.. إذن هل كان على كيري أن يخسر المناظرات ؟.. وما جدواها إذن ... ؟..
كائن مغرور ساذج مخدوع ..هذا هو المواطن الأمريكي .. المواطن الأمريكي المتوسط الذي ليس خبيرًا في مؤسسة (راند) وليس طبيبًا في (مايو كلينيك).. لكنه صار النمط الثقافي الأكثر جاذبية على ظهر هذا الكوكب، وصار على الشباب أن يفرح لما يفرحه ، و يقلق من أجل ما يقلقه حتى لو كان عدم وجود زيتون لشراب المارتيني.. إنها العولمة التي وصفها د. (جلال أمين) بأنها تسري في اتجاه واحد : منهم إلينا .. بينما المفترض أن تسري في الاتجاهين .. لكن الأمريكي يؤمن أنه ليس لدى الشعوب الأخرى ما تقدمه له إلا فطيرة إيطالية جديدة أو وجبة مكسيكية أو أسلوبًا صينيًا جديدًا في التأمل ..
لقد تغلغلت الثقافة الأمريكية في خلايانا وخلايا شبابنا بلا شك .. والمشكلة أن المقابل الفكري المتمثل في الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودًا .. كانت هناك سماء وأرض، وكان هناك أبيض وأسود، وكان هناك ماء ونار .. اليوم لم يعد لدينا إلا الأرض والأسود والنار .. فلابد أن الناس في روسيا الآن يحاولون تحويل الرطل والقدم إلى الكيلوجرام والمتر، أو يبحثون عن زيتون لشراب المارتيني !

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:15 am

صدام لم يقبض


لا شيء يثير غيظي مثل مداخلات المشاهدين على الهواء؛ تلك التي تلوث برامج الفضائيات خاصة الإخبارية منها.. عندما يكون ضيف الحلقة في وزن حسن نصر الله أو فهمي هويدي أو سيد القمني أو المدير السابق للمخابرات المركزية في الشرق الأوسط، تكتشف أن هناك شخصًا في مكان ما يملك الشجاعة العبقرية الكافية ليرفع سماعة الهاتف ويعطل تدفق المعلومات المهم لمدة خمس دقائق، فقط كي يعبر عن آرائه في الحياة .. وهو أصلاً لا يملك أية موهبة إلا امتلاكه لخط دولي .. لكنه يتكلم بلهجة المرشد الذي يهدي هذه الخراف الضالة إلى الصواب: "أنا عجبني الأستاذ فهمي لما قال كيت وكيت وما عجبني لما قال كذا وكذا .."... إنها كلمة الحجا أخيرًا بعد ما كثر الدهماء .. وتشعر طيلة الوقت أنه من الذين يهوون سماع صوتهم وربما العبث في أصابع أقدامهم كذلك..
أذكر أن أحد هؤلاء اتصل بالشيخ القرضاوي ليصدر تعليماته: "قل للمشاهدين كذا وكذا وامنعهم من كذا وكذا ..". يومها قال القرضاوي إن نفاق العالم للحاكم أمره مفضوح وخطره محدود، أما نفاقه للعامة بأن يقول لهم ما يرغبون في سماعه فهو أمر شديد الخطر ..
يقولون إن هذه المكالمات مرتبة سلفًا وأنا أصدق أن ينطبق هذا على نسبة معينة من المتكلمين، أولئك الذين يعرفون ما يقولون حقًا . لا أصدق أن يسمع جارودي المقيم في باريس الحلقة فيتصل ونسمع صوته فورًا وبهذه البساطة، ما لم يتم ترتيب ذلك مسبقًا. أما البقية الباقية فكلامها يؤكد بلا شك أن المداخلات عشوائية ..
يمكن لكل متابع يقظ – وأعتقد أن أعداءنا كذلك – أن يرسم صورة دقيقة للعقلية العربية من خلال هذه المداخلات . وهي صورة لا تسر النفس على كل حال ..
أولاً هناك ذلك الأخ الذي اتصل بأحمد منصور ينصح العرب بسحب أرصدتهم من مصارف الغرب بعد أحداث سبتمبر .. إلى هنا الكلام معقول .. فجأة ينفجر صارخًا : المسيخ الدجال هو من دبر أحداث سبتمبر .. أنا أنذر أمريكا إن لم تسحب قواتها في أفغانستان لأفضحن أمرهم في كل المحافل الدولية!.. وأنهى صراخه بأن أعطى أمريكا مهلة حتى صلاة الفجر للانسحاب وإلا خرب بيتها وفرج عليها (اللي يسوى وإللي مايسواش) !
في برنامج آخر اتصل مسيحي مصري يؤيد المقاومة في فلسطين .. بعدها اتصل أخ من بلد عربي شقيق ليقول في حزم: "ليس لنصراني أن يتكلم عن الجهاد في فلسطين .. القضية في فلسطين إسلامية أولاً وأخيرًا أما هم فليس لهم إلا الجزية يدفعونها .."
هكذا ببساطة يقول لكل مسيحي يهمه ما يحدث في فلسطين "وانت مالك يا بارد ..؟"
أحيانًا يأتي الهراء مما وراء المحيط .. واحد من أقباط المهجر يتصل من الولايات المتحدة ليقول في عصبية إن الأدب العربي كله (عهر) وإن علينا أن ندرس الأدب الفرعوني العظيم الذي قدم للعالم (سنوحي).. كنت سأحترم كلامه لو قال ما قاله بالديموطيقية لكنه قاله بالعربية للأسف ..
دعك من الأخ الذي أكد - بعد ما عرضت نشرات الأخبار عملية نقل عرفات المريض إلى فرنسا – أن هذه تمثيلية .. "عرفات ليس مريضًا إنما هي الطريقة المثلى ليترك الساحة لمن يتنازل من بعده !.. لو شاهدتم الصور لرأيتم أن عرفات في خير حال !" .. وتنظر أنت للصور لتجد أن عرفات يبدو كشبح .. هل أصيب الأخ المتكلم بالعمى كذلك ؟... ثم لنفترض أن عرفات يبدو سليمًا فما هو منطق هذه التمثيلية ؟.. هل عرفات يريد التنازل ؟.. إذن لماذا لا يتنازل هو نفسه ؟.. هل لا يريد التنازل ؟.. إذن لماذا يقوم بهذه التمثيلية السخيفة ؟ لكن الأخ يتكلم بلهجة قاطعة تقول بوضوح إننا بلهاء عاجزون عن رؤية الشمس ...
طبعًا وقد انتقل عرفات إلى جوار ربه توقعت أن تبدأ الأغنية التالية: عرفات حي وفي مكان ما بأوروبا يستمتع بأموال الفلسطينيين .. الجنازة تمثيلية تم ترتيبها مع المخابرات الفرنسية !.. لكن خاب ظني فلم يقلها أحد بعد ..واضح أنني لست أذكى ممن أنتقدهم هنا ..
هناك عبقري آخر يصر على نبذ علم الغرب كله وأن علينا أن نبدأ في تكوين علم إسلامي خاص بنا .. أي أنه يريد أن نعيد استكشاف قوانين الجاذبية وشحنة الإلكترون وتشريح البطين وربما العجلة والنار كذلك ..والسؤال هنا: لماذا تستعمل الهاتف والديش وهما ثمرة اكتشافات الغرب الكافر ؟
وقد اعتادت قناة الجزيرة أن تنظم استفتاءات تداعب مقدمًا العقل العربي الذي تفهمه جيدًا .. هل تعتقد أن عرفات مات مسمومًا ؟.. هل تعتقد أن أمريكا تتلاعب بنا ؟.. الخ . والإجابة دائمًا معروفة لأن من يذكر العكس لا يمكن أن يكون عربيًا ...
الحقيقة أن العقل العربي هو أخصب تربة وجدت لنمو بذور الإشاعات ..
كل شيء فيه مؤامرة ما .. الكرادلة والحاخامات ساهرون في الخارج على ضوء المشاعل السباعية يشربون الدم ويخططون لتدمير حضارتنا .. حتى على مستوى الألعاب .. أقراص لعبة (بوكيمون) اليابانية عندما تحترق تكتب كلمة (محمد لا .. كعبة لا).. هل هم في اليابان رائقو المزاج إلى هذا الحد ؟.. ما نفع هذا لهم وهم لا يفكرون إلا بلغة الدولار والين ؟.. هل يكفي هذا لهدم الإسلام ؟ ..وكيف يهدمه إذا لم تكن الكتابة تظهر إلا في ظروف نادرة ؟.. ثم تعال نجرب معًا ونحرق أحد هذه الأقراص .. لا شيء .. لكن لا أحد يصدق ..الكل يؤكد أنه جرب أمس ورأى .. تخرج صحيفة مصرية مهمة تقول إن لفظة (بيكاتشو) - اسم إحدى شخصيات اللعبة - معناها (كن يهوديًا).. وهو ما أنكره كل خبراء اللغة العبرية ، لكن الجماهير لا تقبل عن نظرية المؤامرة بديلاً.. إنها طعامها وشرابها .. وتخرج المظاهرات الغاضبة ويقف تلاميذ المدارس خارج مدارسهم يحرقون أقراص البوكيمون في حماس تقربًا لله .. لا يعلم أحد مصدر هذه الإشاعة لكني أرجح أنها شركة منافسة أرادت أن يخلو السوق من البوكيمون لتسويق منتجاتها، وهو ما كان فعلاً..
صدام لم يقبض عليه بعد .. من قال هذا ؟.. الصور زائفة ونخيل البلح لا ينمو في هذا الوقت .. فلو ظهر مكبلاً بالأصفاد فليس هو .. هناك ممثلون يشبهونه .. لو اتضح أنه هو مائة في المائة فقد قبضوا عليه مخدرًا . المهم ألا تصدق ..
أذكر أيام غزو العراق للكويت أن صديقًا تونسيًا – وكانت تونس تؤيد صدام وقتها – قال لي في اشمئزاز: "حرام عليكم ..كيف ترسلون ألف فتاة للترفيه عن الجنود الأمريكيين ؟". جن جنوني غيظًا وقلت له إنه لو كان المتكلم مجنونًا فليكن المستمع عاقلاً.. هل تتخيل لجنة من الحكومة تطوف بالشوارع تختار من البنات أولئك اللاتي يصلحن لإمتاع الجنود الأمريكيين ؟.. و"متخافش يا حاج .. بنتك حتنام مع العساكر الأمريكان كام يوم كده وبعدين ترجعلك صاغ سليم".. تشاجرت معه لإهانته أولاً ولغبائه ثانيًا .. ثم فوجئت بأن صحفنا تروج ذات الإشاعة لكنها جعلت الفتيات بنات دولة عربية أخرى تؤيد صدام .. والمفترض أنهن يذهبن للتسرية عن الجنود العراقيين . وفي الحالتين الكل يصدق ..
خذ عندك أسامة بن لادن .. هناك كثيرون في الداخل والخارج يعتقدون أنه لم يقم بشيء مما نسب إليه في أحداث سبتمبر، والموضوع كله مؤامرة من دولة داخل دولة تحرك الولايات المتحدة .. منطق قد يكون مقنعًا .. لكن خذ عندك من يدافع عن ابن لادن لأنه لم يفعلها .. ثم ينهي كلامه بالدعاء لهذا البطل المغوار الذي لقن الولايات المتحدة أقسى درس في تاريخها !... هذا نموذج ممتاز للمنطق الذي يعكس نفسه في الجملة ذاتها ..
ثمة حادثة تافهة حدثت في دولة عربية عرفت بالتحفظ الشديد .. شاب وغد هاجم زوجة أخيه وعراها .. حادث بشع لكنه أتفه من أن يتذكره أحد.. لكن منتديات الإنترنت تفرغت تمامًا لهذا الموضوع .. الكل يستعيذ بالله وينعي الأخلاق لكنه يتلمظ ويسيل لعابه لمعرفة تفاصيل أكثر ..هذه الطريقة في الهجوم على الفحش التي تشم فيها أعتى درجات الكبت الجنسي والتوحش.. أحد العباقرة الذين علقوا قال في ذكاء: "والله ما عملوها إلا الموساد !" .. والأسوأ أن الكل وافقه على ذلك ..!
من ذكر الموساد في الموضوع ؟.. ما هو دوره ؟.. ما الفوائد الجمة التي ستعود على إسرائيل من قيام شاب بتعرية زوجة أخيه ؟.. أسئلة لا جواب عنها ..
وما دمنا تكلمنا عن هذه المجموعات العربية فلابد أن نذكر ظاهرة عجيبة .. لا يوجد عقل في العالم يخلط بين الدين والجنس بهذه الكثافة .. صور عارية شديدة الفحش بعضها شاذ وبعضها لأطفال جنبًا إلى جنب أحاديث قدسية وأدعية ..! فإذا جاءت سيرة الدين تحول الكل إلى دعاة ومجاهدين كبار..

أحمد الله أنني لست مفكرًا أو مصلحًا أو داعية .. إن مهمة هؤلاء عسيرة .. عسيرة إلى حد لا يمكن وصفه !

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:16 am

شعث مفارقنا !


القبلية ...
من قال إننا تخلصنا منها ؟...
بيت الشعر العربي القديم الذي يقول:

شعث مفارقنا .. تغلي مراجلنا
نأسو بأموالنا آثار أيدينـــا


هذا البيت تلقيناه جميعًا في المدرسة، وقال لنا مدرسونا – بنبرة إعجاب لا شك فيها - إنه نموذج طيب للفخر عند العرب .. تأمل مدى الاعتزاز بالنفس ؟... إن مفارقهم مشعثة من القتال، ولكن مراجلهم لا تكف عن الغليان كناية عن الكرم .. وهم يؤذون الناس باستمرار لكنهم يدفعون التعويضات .. هل ترى ؟.. الآخرون ضعفاء فقراء ومنحطو النفوس كذلك.. يقبلون بعض المال لينسوا ما أصابهم من أذى ..
ليس هذا فحسب، فالأخ العربي لا يريد أن ينسى القبلية على سبيل الملل أو التعب أو السهو .. لهذا يقول:

ونشرب إن وردنا الماء صفوًا
ويشرب غيرنا كدرًا وطينا

لماذا تفخر يا أخي بأنك تشرب الماء من النبع صافيًا .. بينما يشرب الآخرون طينًا ؟.. لماذا لا ننظم العملية فيشرب الجميع ماء صافيًا ؟
لكن هذه الروح موجودة في العرب منذ قديم، وكنا نحسبها من سمات الجاهلية، فإذا هي تستمر وتُخلد ونقابلها في كل يوم ... على مستوى الدول وعلى مستوى الأسرة ..

عرفت ذات مرة شابًا رقيق الحال خطب ابنة إحدى تلك الأسر، سأطلق عليها (هـ) لتسهيل الأمور. وكان لها أخ موشك على الزواج بدوره أطلق عليه (م).. صاحبنا رقيق الحال اشترى سجادة أنيقة للصالون من محلات القطاع العام وتركها في شقة خطيبته – كما هي العادة في البيوت المصرية – إلى أن يستكمل تجهيز بيته.. تزوج أخوها (م) قبلهما فذهب الشاب رقيق الحال لتهنئته .. هنا فوجئ بالسجادة مفروشة في صالون أخيها !.. ابتلع دهشته إلى أن تكلم مع خطيبته على انفراد، وقال لها إن العادة جرت على عدم استعمال أشيائه لأن الأمانة تقضي بهذا أولاً، ولأن هذا فأل سيئ ثانيًا، ولأن أحدًا لم يستأذنه ثالثاً، ولأن المعارف المشتركين لن يصدقوا أبدًا أن هذه سجادته هو يوم يرونها في صالون بيته، وسوف يفترضون أن أخاها هو الذي أعان الشاب الرقيق الحال بإهدائه سجادته ..
هنا تحولت خطيبته الرقيقة إلى شيء يشبه مصاصي الدماء، وقالت له إنه: لا يجب أن يقول هذا (عنا) وذلك (لأننا) نعرف ما نفعل ولأن (أخي) ليس بحاجة إلى سجادتك ال[محذوف][محذوف][محذوف][محذوف]ة هذه ...
هكذا ابتلع لسانه لأنه كان يحبها فعلاً ولم يكن يريد تدمير الزيجة لأسباب تافهة كهذه .. وبالفعل صارت زوجته ..
بعد هذا بعامين تزوج أخو زوجة (م) وذهبا لزيارة العريس في بيته .. فوجئت الزوجة الشابة (هـ) بأن النجفة المعلقة في الصالون هي نجفة أخيها (م) الذي سافر لبلد عربي منذ عام .. لقد جرؤت الحدأة على فك النجفة التي اشتراها زوجها بماله كي تعلقها في صالون أخيها !.. وقد راحت الزوجة الشابة (هـ) ترغي وتزبد وتتحدث عن انعدام المثل والنساء اللائي لا خلاق لهن .. فذكرها زوجها رقيق الحال في رفق بموقف مماثل حدث منذ عام .. لكنها قالت (إننا) لا نتصرف مثل هؤلاء ..(إننا) نعرف جيدًا ما نفعله .. وما فعله أخي كان استعارة بسيطة لكن هذه سرقة .. ثم إننا اعتدنا أن نشرب الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا ..
ما دمنا نحن من يرتكب الأخطاء ونؤذي فكل شيء على ما يرام والحياة حلوة. الجرم كل الجرم هو أن يفعل بك الآخرون الشيء ذاته لأن هذا معناه أن الخير زال من العالم ..
يوقف الرجل سيارته في عرض الطريق فإذا لامه سائق الأجرة الواقف خلفه، تنطع وتنمر وقال في لهجة منذرة : إنت مش عارف بتكلم مين ؟... ويرمقه بتلك النظرة البوليسية التي تعلم الكل كيف يصطنعها اصطناعًا .. كأنه من عتاة رجال الأمن ذوي النفوذ أو من مراكز القوى في الستينات ..
جرب الآن أن تجعل سائق الأجرة يسد الطريق على نفس الرجل، ولسوف تسمع مواعظ كاملة عن قلة التهذيب وانعدام الأخلاق .. وتنتهي الموعظة بالعبارة الشهيرة: إنت مش عارف بتكلم مين ؟.. ثم يرفع الموبايل في عصبية وقرف إلى أذنه كأنه يطلب (مراد بيه) فلا يقول شيئًا .. فقط يغمغم ثم يغلقه بعصبية أكثر ولسان حاله يقول (أنت إنسان ميت)..
هذا نموذج آخر للشعور القبلي الواضح .. وهذا الرجل لا يفعل إلا أن يمارس عمليًا أسلوب: ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينا..
كل أسرة تريد أن يكون بين أبنائها الضابط ليكون عندها (إبراهيم بيه) تخالف به القوانين وتمشي على أعناق الآخرين .. كل أسرة تريد أن يكون عندها وكيل النيابة والمستشار فإن لم تجد واحدًا ناسبته أو تمحكت في قريب بعيد .. هكذا تستطيع أن تخالف القانون كما تشاء .. إن إبراهيم بيه لقادر على أن يجعلها تشرب الماء صفوًا ويشرب غيرها كدرًا وطينًا ..
بفضل (إبراهيم بيه) أو (سامي بيه) يمكن للأسرة أن تظفر بلائحة أرقام ذات أربع أو ثلاث خانات .. هكذا لا يجرؤ شرطي واحد على الاعتراض ويمكنها إيقاف سيارتها في الممنوع وتهدد من تريد..
لكن حدث بلا حرج عما يحدث لو أوقف واحد من قبيلة أخرى سيارته في الممنوع.. عندها تكون الطامة الكبرى .. أمال إحنا متخلفين ليه ؟

شعث مفارقنا .. تغلي مراجلنا ...

دائمًا (نا) الدالة على الفاعلين .. دائمًا (نحن) و(إحنا) و(عندنا) و(بتاعنا).. والزوجة التي فقد زوجها الوزير منصبه في التعديل الوزاري، فأصيبت بانهيار عصبي لأن كشك الحراسة أمام البناية قد تم رفعه .. كانت قد اعتادت أن يكون هذا (كشكنا) و(حراستنا) و(وزارتنا).. لهذا لم تتحمل فقد هذا الهيلمان لتصير كالرعاع الآخرين الذين لا يوجد كشك حراسة على بابهم ..
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا
ويشرب غيرنا كدرًا وطينا

والمشكلة في مصر أن الأمر تجاوز مجرد لذة قهر الجيران .. إن النجاح الاجتماعي صار يقترن اقترانًا قويًا بالقدرة على خرق القوانين .. مش إحنا .. القانون للفقراء والبسطاء (الذين يشربون كدرًا وطينًا)... أما نحن ففوق القانون ..لهذا كما ذكرت وجد مثال (مش عارف إنت بتكلم مين)... واصطنع الجميع ذلك الطابع المتكبر الغامض كأنهم من رجال أمن الدولة شديدي الخطر، برغم أن هؤلاء لن يلفتوا الأنظار لأنفسهم في إشارة مرور أو طابور مصرف لمجرد التفاخر..
نحن .. نحن ومن بعدنا الطوفان ..
كيف يجرؤ هذا الشرطي على إيقاف سيارتي ؟... أتراه يحسبني من الآخرين ؟.. ألا يعرف أنني من (بني مخزوم) ؟... كيف يعاقب هذا المدرس الفقير ابني في المدرسة ؟.. ألا يعرف ابن من هو ؟... لقد تعبت كثيرًا حتى أبلغ مكانة تسمح لي بمخالفة القانون ولن أسمح لواحد من قبيلة أخرى بأن يحاسبني ..
وهكذا تمضي الحياة في مصر .. لا تدري هل هو وباء مستجد أم هو مرض منذ القدم لم نشف به وتظاهرنا بذلك بعض الوقت ؟.. لكننا لن نتقدم أبدًا ما لم نتعلم كيف نمشط مفارقنا ونطفئ مراجلنا إلا عند اللزوم، وننظم ورود الينبوع ليشرب الكل الماء صافيًا ...

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:16 am

حسد


اليوم أعترف بالحقيقة التي أخفيتها عن الناس منذ الطفولة ..
أنا أحسد بقوة ..
أحسد طفلاً سوف يحقق كل الأشياء التي فشلت أنا في تحقيقها
(الشاعر الروسي إيفتوشنكو)

***

يجب أن أعترف بهذه الحقيقة .. لقد نجح هؤلاء القوم في تحقيق ما عجزت عنه أنا .. ربما أداري الحقيقة بالكثير من التعالي .. التحذلق .. ترفع الطبقة الوسطى، لكني أدرك يقينًا أنني فشلت في فهم قواعد اللعبة منذ البداية وهي ذي النتيجة واضحة جلية، وهي أن الزمن ليس زمني ولا البلد بلدي.
لقد رأيتهم قادمين .. كنت في المدرسة الثانوية بينما السادات يضع المتفجرات تحت الصرح الذي شيده عبد الناصر طيلة عقدين من الزمن، ولم أعلق أهمية كبرى على هذا .. عرفتهم بوجوههم السوقية الشهوانية .. عرفتهم بأصواتهم الجهيرة .. وكما قال الناقد السينمائي الراحل سامي السلاموني: "تعرفهم من كروشهم وفتحة صدر الطرزانات وصفاقة من شبع بعد جوع .. منهم الطبيب والمحامي والمهندس والعامل، لكنهم صاروا طبقة واحدة لها شكل واحد وطموحات واحدة، وربما تستمع لنفس المطرب..".. كتب هذه الكلمات يوم قام احدهم بنشاط محبب لهم ألا وهو غرس سكين الفاكهة – حتى المقبض - في بطن ابن شقيقة عبد الناصر .. فقط عين السلاموني الحساسة استطاعت التقاط الرمز وراء هذا المشهد ..
كنت أجلس في غرفتي أطالع الطيب صالح وكافكا وطه حسين، وأعلق رسوم محمود سعيد ورينوار، بينما كان هؤلاء يزحفون كالقمل في كل مكان .. ثمة نشاط بشري غريب هو أن تذهب لبور سعيد وتلف القماش على خصرك وتضع عشرين ساعة حول ساعديك كي تتجنب الجمرك ..نشاط آخر غريب اسمه المتاجرة بالدولار في السوق السوداء .. هذا النشاط يقومون به جميعًا لكني - وكل أمثالي – عاجزون عنه .. ربما لأنني أترفع عنه .. ربما لأنني أخشاه .. ربما لأنني لم أفهم قواعد اللعبة بعد .. ربما لأنني (مش وش بهدلة) وبلغة أدق: كان لدي ما أخسره .. هم لم يكن لديهم ما يخسرون .. هذه هي عقد الطبقة الوسطى التي تكبلك إلى الأرض ..
إنهم يمارسون الاختلاس والرشوة والمحسوبية على نطاق واسع .. ثم أنهم لا يخجلون .. ينشئ السادات حزب مصر فينضمون جميعًا له ويكتب احدهم على طريقة فكتور هوجو: لو كان أعضاء حزب مصر خمسة فأنا منهم .. ولو كانوا واحدًا فأنا ذلك الواحد ..
ثم يترك السادات حزب مصر لينشئ الحزب الوطني الديمقراطي عندها – في اليوم ذاته - لا يبقى بين جدران حزب مصر واحد من هؤلاء .. مشكلتي أنني بطيء التفكير أكثر من اللازم .. أرى هذا الموقف فأقضي عشر سنوات أحاول استيعابه .. بينما هم جميعًا فهموها (وهي طايرة).. لقد انتهوا من استخراج الدهن من الزلط ودهن الهواء بالدوكو ، بينما أنا ابن الطبقة الوسطى ما زلت أعتقد أن المستقبل لي أنا .. رأسي مقبرة أثرية تضم رفات ناصر وجيفارا ولومومبا حيث أحرق البخور وأتكلم عن بطولة سنموت حنا مع النحاس، وأحفظ كل حرف قاله كاسترو لناصر عندما التقيا في القاهرة..
إنهم يتاجرون في الأراضي .. إنهم يحصلون على تصاريح البناء غير القانونية . إنهم يقوون علاقاتهم بكبار رجال الشرطة .. بينما يستطيع أصغر شرطي مرور أن يجعل الدم يتجمد في عروقي .. ثم يقررون أن يتدينوا فجأة، وتظهر زبيبة صلاة عملاقة لكل منهم، ويلبسون الجلابيب البيض، ويسافرون للعمرة عدة مرات في كل عام وينشئون الشركات التي تبيع حبة البركة والعسل الأبيض، ويديرون المدارس التي تحمل في نهاية اسمها لفظة (الإسلامية).. ويعودون ليتهموا بطيئي الفكر بالتسيب الديني، ولا بأس من غرس سكين في عنق نجيب محفوظ فهذه كما قلت من هواياتهم المحببة، والرجل هو الآخر لم يفهم قواعد اللعبة برغم ذكائه الشديد..
وتتأمل سلوكهم فتجد أنهم يمارسون ثلاثية المنافق حرفيًا: يحدثون فيكذبون .. ويعدون فيخلفون .. ويؤتمنون فيخونون.. لكنهم جهيرو الصوت قادرون على الصراخ في أي وقت ليخرسوك ..
ثم يكتشفون فجأة أن مصر تضم مسلمين ومسيحيين ويقررون أن هذا خطأ وأن هذا سبب مشاكلنا الاقتصادية التي يعاقبنا بها الله.. دعك من أنهم اكتشفوا فجأة أن هناك صعايدة في الجنوب وأن هذا شيء ظريف جدًا.. وتبدأ نكات الصعايدة التي يطلقها الحشاشون في ملاهي شارع الهرم لتشق مصر إلى نصفين..
إنهم يسودون المقالات في الصحف تبرر كل ما تفعله الحكومة مهما كان خطأ أو جائرًا .. إنهم يهتفون : بالروح بالدم نفديك يا سادات.. ويوم اغتيل السادات لم يكن أحدهم مستعدًا لتبديل جلسته المريحة لينقذه .. وعند المساء كانوا قد نسوا كل شيء عن السادات وراحوا يرتبون أوراقهم للعهد الجديد .. فإذا جرؤت على انتقادهم صرخوا بأعلى صوتهم أنك من (حزب أعداء النجاح)..
إنهم لا يملكون ذرة ثقافة لكنهم يعتنقون شعار روكفلر: حسابي في المصرف دليل على أن الله راض عما أفعله .. وهم يؤمنون – كخلاصة الفلسفة البراجماتية الأمريكية - بأن الفقير مسئول عن فقره بشكل ما .. ربما لأنه أغبى من اللازم .. أبطأ من اللازم .. أجبن من اللازم .. والمشكلة أنني بدأت أعتقد هذا ..
تاجروا في الحشيش والبرشام والبودرة واليوم يزرعون البانجو ويدخنونه لأنهم أدرى الناس بأن (دماغهم متكلفة) وهم حريصون على حفظ التوازن الكيميائي لآلة صنع المال هذه .. إنهم يأخذون القروض ويفرون لكن – وهذا لغز – تظل البلد بلدهم، بينما أنت الباقي فيها والذي سيدفن – مفروسًا - في ترابها تشعر بشكل ما أنك مجرد ضيف عابر ..

***

نعم .. في لحظات كفاحي المرهقة كي لا أنزلق إلى طبقة أقل أقول لنفسي إنني فشلت .. كان الزمن يتغير وفشلت أنا في فهم ذلك، بينما هم فهموا منذ البداية .. لقد امتلكت بعض الثقافة السطحية لكني افتقرت تمامًا لذلك النوع الخاص من الذكاء الذي يطلقون عليه (نصاحة) .. ربما لو لم يكن لدي ما أخسره .. ربما لو فهمت أسرع من هذا ..
لكني لن ألقى باللوم على أحد سواي .. لا توجد بدايات متأخرة للعبة وليس بوسعك أن تتعلمها في سن الأربعين كما أنها لا تُدرس في المدارس .. ولهذا فشلت كل محاولة لي في دهن الهواء بالدوكو أو خرم التعريفة أو اعتصار الدهن من الزلط ... ولهذا أقولها بكل صدق: أنا أحسد هؤلاء القوم .. فقد امتلكوا الأرض وما عليها .... وربما يمتلكون المستقبل كذلك وإن كنت أدعو الله أن يتعلم ابني فن دهان الهواء قبل أن يحدث هذا.


_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-01-28, 11:17 am

القطرات الاخيرة



كأن الأمر كذلك: عندما قامت ثورة 1919 امتدت يد الزمن العملاقة تعتصر ضرع مصر الحلوب، ولسنوات عديدة سالت منه بسخاء قطرات مثل العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ – الطبيب والأديب كليهما – وسيد درويش وأم كلثوم وعبد الوهاب .. الخ .. الزمن يمضي وقد مر نحو القرن، وهاهي ذي القطرات الأخيرة تتدفق من الضرع قبل أن يجف: هيكل .. صلاح جاهين .. بيكار ..جلال أمين ... لا ندري كم من الوقت يجب أن يمضي قبل أن يمتلأ الضرع بالخير ثانية، لكني أعرف جيدًا أن إسماعيل دياب كان بين تلك القطرات الأخيرة..
وصوت إحدى سيمفونيات بيتهوفن ينبعث من جهاز الهاي فاي – من بين أشياء نادرة امتلكها في حياته – وأمامه فنجان القهوة، كانت تعن له فكرة ساخرة فيضحك، ويمتزج الضحك بشخشخة السعال في صدره الذي أرهقه التدخين .. هناك في تلك الشقة الصغيرة – التي لا يملكها - في ميدان الجيش كان يغمس فرشاته باللون وبضربات محكمة خبير يولد على الورق غلاف جديد .. غلاف تشم فيه رائحة رواية لتولستوي أو دستويفسكي أو بلزاك .. وبشكل ما كنت أشعر أنه ينتمي لذلك العالم وانه كان صديقًا شخصيًا لجوركي وديكنز وموباسان .. كان يتذوق الأدب كأفضل نقاده وكانت ثقافته موسوعية ..
أرمق الصورة المعلقة على الجدار خلفه وأتساءل عن معناها .. صورة زيتية لرجل ملقى على الأرض محطمًا منهكًا .. يمد يده إلى إناء فارغ مقلوب أمامه .. ما معنى ذلك ؟
اسمه إسماعيل دياب .. كان يعرف الكثير لكنه لم يتصور قط أن رسومه محفورة في جيلين على الأقل ممن لم يقرءوا الأدب إلا مرسومًا بريشته الساحرة شبه التأثيرية .. منذ كانوا أطفالاً يقرءون قصص دندش وباسل في مجلة سمير حتى عرفوا أن هناك من يدعى جي دي موباسان وبلزاك ...
كنت تلمح في وجهه الطيب المجعد الذي رأى كل شيء، وشعره الأشيب تلك السمات التي لا تخطئها العين .. سمات الناسك الذي يردد: "فلتزأر العاصفة" ويرمق الحياة في ترفع باسم.. تلك النظرة التي رأيتها من قبل في عيني نجيب محفوظ وغاندي وماركيز وتشيكوف ومانديلا.. يشعل لفافة تبغ أخرى ويقول في فخر: "أنا لا أملك أي شيء وأحمد الله على هذا .."
اسمه إسماعيل دياب .. لم يكن يتكلم كثيرًا عن نفسه .. وبصعوبة بالغة تعرف أنه ابن الإسماعيلية .. تخرج في كلية الفنون الجميلة عام 1962 .. هذه الدفعة ضمت أسماء ليست أقل من اللباد وجميل شفيق وعبد الغفار شديد ..
كانت تجاعيد وجهه خارطة مفصلة لتاريخ الصحافة المصرية بعد الثورة .. لقد عمل في أخبار اليوم وروز اليوسف ودار الهلال (مجلة سمير) ودار المعارف والأهرام والهيئة العامة للكتاب .. وكان في حياته سر أكثر جمالاً هو أنه شقيق الأديب محمود دياب .. لم أعرف هذا إلا عندما أخبرني به .. محمود دياب .. الكاتب الثائر الذي تنبأ بالتحولات المرعبة التي توشك أن تعيد الاستعمار الخفي إلى مصر .. مسرحية دنيا بيانولا .. مسرحية تتنبأ بالخراب الذي يقودنا إليه الانفتاح، وللمرة الأولى نرى تيمة العائد من الخارج ليهدم بيت الأسرة القديم وهي تيمة استعملها الجميع فيما بعد .. يوسف السباعي كان ضمن الموجودين في العرض الأول وقد كان رحمه الله من قادة كتيبة الانقلاب ضد مثقفي الستينات، وقد أدرك بفطنته الإشارات التي يرسلها هذا العرض .. وقد ظل يشاهد الأحداث متذمرًا ثم انفجر فجأة واصفًا المسرحية بأنها كلام فارغ وتهريج .. هنا انفجر فيه محمود دياب بدوره .. وكانت هذه نهاية المسرحية ..وبعد أيام احترق المسرح كأن الأقدار تأبى إلا أن تشارك في هذه اللعبة العبثية ..
محمود دياب يدرك حقيقة أن الزمن لم يعد زمنه وأن قواعد جديدة توضع للعبة، وهو ذا يعتزل العالم في شقته الواقعة خلف مستشفى هليوبوليس .. يرقب الناس من الشرفة مشمئزًا مندهشًا من قدرتهم على الحياة وسط هذا الزيف .. يوم 10/10/1983 يموت محمود دياب غريبًا محبطًا كما مات من قبله ومن بعده جمال حمدان ورجائي عليش ونجيب سرور وآخرون لن يتوقفوا عن الدهشة فالحزن فالانكسار فالموت ..
الآن يخيل إلي أنني أفهم الصورة الزيتية المعلقة على الجدار وراء الفنان ..
اسمه إسماعيل دياب .. وكانت ذكرى أخيه من اللحظات النادرة التي يتكلم فيها عن نفسه كثيرًا وبلا توقف ..يتكلم عن أولاد أخيه هشام وهالة وهبة .. أذكر يوم جلبت له مقالاً طويلاً نشر في مجلة وجهات نظر عن محمود دياب، ورأيت الفرحة الطفولية تغزو وجهه ..كان يحتفظ بكل ما كتب أخوه ولا اعتقد أنني كنت واجدًا أية نسخة من الظلال في الجانب الآخر إلا تلك التي أقرضني إياها .. دعك من الهرميتات الصوفية التي كان يطالعها أكثر من مرة أسبوعيًا والتي أثرت حنقه عندما اعترفت بأنني لم أفهمها أو فهمتها ولم أفهم المراد بها ..
لم أكن أعرف أن له ابنًا في العقد الرابع من العمر.. (وائل) مصمم جرافيك في الأهرام.. وابنة هي (جيهان).. موظفة في الثقافة الجماهيرية .. كان يقول لابنه: "يا بني أنا عمري ما كنت معاك أب .. أنا صاحبك وأخوك.".
تلقى الكثير من عقود العمل بالخليج، لكنه لم يسمح لنفسه بالسفر خارج مصر إلا للسياحة .. من على شاكلته جميعًا لا يعرفون لأنفسهم عملاً ولا بيتًا ولا قبرًا خارج مصر .. سافر لأمريكا عام 1978 وقضى ثمانية أشهر يدرس تصميم المناهج الدراسية .. قضى في الرياض يومين لا أكثر .. ثم عاد .. دائمًا يعود .. لم يقم أي معرض خاص قط .. معرضه الدائم كان على أغلفة الكتب .. مرسمه الصغير في المسافرخانة بالحسين احترق عام 1997 ومن وقتها استقر في شقته الصغيرة بميدان الجيش .. يعمل في تصميم روايات مصرية للجيب الموجهة للشباب ويبدي رضاه عن هذا العمل .. رسومه تحفر نفسها بقوة في تعاريج مخ جيل كامل.. لا يتحدث عن أجره فهو يقبل أي مبلغ يكفيه ليحيا .. بينما دور النشر الأخرى جميعًا تتصارع من اجل الاستئثار به .. فلتزأر العاصفة .. فلتزأر العاصفة ..
الآن يتكلم عن اللوحة المعلقة على الجدار .. لقد رسمها يوم 6 يونيو عام 1967 عندما عرف الحقيقة .. إنه ذات الشرخ الذي تجده في نفسية كل مثقفي الستينات ..يسهل أن تعرف ما شعر به في تلك اللحظات القاسية ..
كان في عالم الرسم يعشق التأثيريين .. يعشق جوجان ورينوار وديجا .. لكنه كان يحمل حبًا خاصًا لرمبرانت .. هذا الجو المظلم الذي يخترقه الضوء الذهبي القادم من اليسار .. هذا الزيغ كان يروق له، خاصة عندما عرف أن رمبرانت كان واهن البصر في أيامه الأخيرة .. في الوقت ذاته كانت عدسة عينه تزداد إعتامًا واستطاع ان يرى العالم كما رآه رمبرانت .. وأن يفهمه ..
بالنسبة للمصريين كان يعشق بيكار ومحمود سعيد .. صديق عمره محمد قنديل الذي تزوج ابنه – ابن إسماعيل دياب - ابنته .. زهران سلامة .. اللباد .. جميل شفيق .. رمزي مصطفى ..
اسمه إسماعيل دياب .. وعندما توفي في صمت وسلام في ذلك الأسبوع الصاخب الحزين، كان العالم يتحدث عن وفاة رفيق الحريري وثابت البطل .. لكن الشباب الذي عشق أعماله – الآلاف منهم - أقام له حفل تأبين لا يوصف على شبكة الإنترنت وفي منتدياتها .. طلاب مدارس إعدادية .. طلاب جامعة .. خبراء كمبيوتر .. خبراء علم وراثة .. أطباء .. مهندسون .. معلمون .. محاسبون .. كلهم بكوه بحرقة دون أن يطلب منهم أحد شيئًا، وولد اقتراح بعمل معرض دائم على الإنترنت له، كما اقترح البعض أن تصدر القصص التالية بغلاف أسود لأنهم لا يقبلون أن يروا رسامًا آخر على الأغلفة .. والعالم يتحرك ولا يشعر بكل هذه الشموع الموقدة في ذكراه وسط ظلام شبكة الإنترنت .. ولو شعروا بها لأصابهم الذهول ..
اسمه إسماعيل دياب .. أبي ومعلمي ..وقطرة أخيرة من ذلك الزمن الجميل الذي ضاع .. كان فنك أجمل من حياتك .. وكانت حياتك أجمل من فنك .. فشكرًا على كل شيء.

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-02-16, 2:42 pm

ليه كمية الكابه دي

اعتقد ان اللي ينقل الكلام ده اكيد محتاج يشرب كوباية شاي ويستهدى بالله كده

ويدرب نفسه على الابتسامه لمدة 10 دقايق يوميا
وهو هيتظبط ويبقى زي الفل

كفاكم احباط
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-02-16, 4:03 pm

مساء الخييييييييييييييييييير يا معلم
بالنسبة للشاي , بملح ولا دايت ؟
و بعدين الضحك من غير سبب قلة فيتامينات
و كانت ستّى - الله يرحمها - بتقولي دايما ( يا بخت من بكاني و بكى عليّ , ولا ضحكني و ضحك الناس علي ّ)

لكن ربنا يملا ايامك سعادة و فيتامينات
بس ف اخر روشتة كتبهالي عم ( عبد الحكم التومرجي ) كتب فيها

R \ حبايتين ( تمرد ) تحت اللسان مع كوباية عدم رضا علشان علاج الاستقرار على التخلف

و طبعا من الاعراض الجانبية للحبايتين دول شوية كئابة , على طلقتين فشنك ينضربوا ف الهوا و ميكونش ليهم لازمة

بس ان شاء الله حيخف و يقوم و يبقى زي الفل

تمردوا يرحمكم الله
اقول قولي هذا واستغفر الله لي و لكم


_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-02-18, 9:23 am

مش بقول اضحك

بقول ابتسم

ليه متبقاش مبتسم

ليه لو كان الجو حار جدا متقولش هستحمله

ليه لو كان الموج شديد متقولش هعديه

اتمرد لكن لا تمرض بتسكين الميم

محدش ممكن يواجه الموت

لكن لو قلت يجي براحته مش هيهمك

التمرد صنعه لكن الكابه بلوه يا اخي العزيز

ابتسم وانت تحمل كفنك على الاقل سيقلل من تاثير الادرينالين وتعرف تموت براحتك يا عم بتاع الفيتامينات

ربنا يقويك

لنا الله منكم يا بتوع طب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Die_Heart
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 307
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 29/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-02-18, 10:43 am

علم و ينفذ
..


بس انا مبحبش الشاي
ممكن بيبس ؟

_________________
The future belongs to those who believe in the beauty of their dreams
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: مقالات د ( احمد خالد توفيق )   2008-02-19, 9:33 pm

يا نجم اللي تبغيه نجيبهولك
شاي ماشي
بيبس ماشي


ف مقاله لاحمد خالد عن طب الوحدات الصحيه في مصر

مقاله عجبتني قوي لو عندك ياريت تفيدنا يا نجم


عدل سابقا من قبل عمكم الكبير في 2008-02-19, 9:42 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مقالات د ( احمد خالد توفيق )
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: العيادات الخارجيه :: المكتبه العامه-
انتقل الى: